بعد الضجيج.. حين عادت السياسة إلى الواجهة

 

 

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

في كل حرب تقريبًا، ينشغل الناس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، وحجم الدمار الذي خَلّفته، والخسائر التي تكبدها كل طرف. لكن بعد أن يهدأ الضجيج، يظهر سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا تغير فعلًا؟

هذا السؤال يفرض نفسه اليوم مع التفاهم الأخير بين واشنطن وطهران. فبعد أسابيع من التصعيد والتهديد والضربات المتبادلة، عاد الطرفان إلى ما كان مطروحًا قبل اندلاع الأزمة أساسًا: التفاوض.

قد يختلف المراقبون حول حجم المكاسب والخسائر، لكن من الصعب تجاهل هذه المفارقة؛ فالحرب التي قيل إنها ستفرض معادلة جديدة انتهت إلى فتح الباب أمام جولة جديدة من المحادثات، وتأجيل أكثر الملفات حساسية إلى طاولة التفاوض.

لا يعني ذلك أن شيئًا لم يحدث. فقد تعرضت إيران لضربات مؤلمة طالت جوانب من بنيتها العسكرية والنووية والصناعية، كما واجهت ضغوطًا اقتصادية وأمنية كبيرة.

وفي المقابل أظهرت الأزمة أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري الهائل، ما زالت مضطرة إلى حساب كلفة أي مواجهة طويلة في منطقة ترتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

لهذا، بدا لافتًا ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، حين رأت أن الاتفاق لا يمثل انتصارًا استراتيجيًا كاملًا بقدر ما يعكس تراجعًا عن بعض الأهداف التي رُفعت في بداية المواجهة. وليس مهمًا هنا الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التوصيف، بقدر ما يهم أن هذا النقاش بات مطروحًا داخل الولايات المتحدة نفسها.

فالسؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا بقدرة أي طرف على استخدام القوة، بل بقدرته على تحويل تلك القوة إلى نتائج سياسية دائمة. وهنا تحديدًا تبدأ الصورة بالتعقّد؛ فالمنطقة لم تعد كما كانت قبل عقدين أو ثلاثة.

لم يعد ممكنًا حسم كل شيء بالقوة العسكرية، كما لم يعد الاقتصاد مجرد عامل ثانوي في حسابات الصراع.

إغلاق ممر بحري حيوي، أو استمرار التوتر لفترة طويلة، أو تعطل حركة الطاقة، كلها أمور تجعل كلفة الاستمرار في المواجهة أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق.

ولهذا ربما لا يكون مستغربًا أن تنتهي هذه الأزمة إلى ما يشبه إدارة الخلاف أكثر من حسمه. تُؤجَّل بعض الملفات، وتُرحَّل أخرى، وتُمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس ريثما تتغير الظروف أو تتوافر فرص أفضل للتفاهم.

لكن ما يستحق التوقف عنده في هذه الأزمة ليس ما حدث بين واشنطن وطهران فقط، بل ما جرى خلف الكواليس أيضًا؛ فمنذ المراحل الأولى للتوتر، بل وقبل أن تصل الأمور إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة، كانت هناك محاولات لإبقاء باب التفاوض مفتوحًا وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة. وقد برز الدور العُماني مجددًا بوصفه أحد أهم جسور التواصل في المنطقة، مستندًا إلى إرث طويل من الثقة والقدرة على إبقاء خطوط الحوار قائمة حتى في أصعب اللحظات.

ومع أن الأحداث أخذت مسارًا مختلفًا، وتصاعدت المواجهة، فإن المفارقة التي يصعب تجاهلها أن الأطراف نفسها عادت في نهاية المطاف إلى الخيار الذي كانت تدعو إليه الوساطة منذ البداية: الحوار.

وفي الوقت نفسه، ظهرت جهود من دول أخرى عملت على منع اتساع دائرة المواجهة. وهي الدول التي وصفناها في مقال سابق بـ"فريق الإطفاء"، ذلك الفريق الذي يبتعد عادة عن الأضواء، لكنه يظهر كلما اقتربت المنطقة من حافة أزمة كبرى.

وقد برزت باكستان وقطر وغيرها من الدول التي تحركت في اتجاه التهدئة وفتح قنوات التواصل، إدراكًا منها أن استمرار التصعيد لن يخلّف منتصرين بقدر ما سيخلّف مزيدًا من الخسائر للجميع.

ولعل من أبرز ما كشفت عنه هذه المواجهة أن الواقع كان أكثر تعقيدًا من كثير من التصورات التي رافقتها في بدايتها. فقد ساد حديث واسع عن شرق أوسط جديد، وعن إعادة تشكيل المنطقة وفرض موازين قوى مختلفة، بل إن بعض الأطراف راهنت على أن الحرب ستؤدي إلى تراجع أدوار قوى إقليمية، وفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة تُرسم تحت ضغط السلاح.

غير أن ما أفرزته الأحداث سار في اتجاه مختلف إلى حد كبير؛ فبعد كل ما جرى، لم تختفِ الأطراف التي استهدفتها الضغوط، ولم تتراجع الحاجة إلى الوسطاء، ولم تتوقف قنوات التواصل التي حافظت عليها بعض الدول طوال فترة الأزمة؛ بل إن المنطقة عادت في نهاية المطاف إلى البحث عن التهدئة والتفاهمات السياسية، وهو ما أعاد الاعتبار للدور الذي لعبته الدول الداعية إلى الحوار وخفض التصعيد منذ البداية.

وربما كانت هذه واحدة من أهم مفارقات الأزمة؛ فبينما انشغل البعض بالحديث عن إعادة رسم خرائط النفوذ، كانت الحاجة تزداد يومًا بعد آخر إلى الدول القادرة على منع الانفجار وفتح الأبواب عندما تُغلق طرق المواجهة جميعها.

واللافت أن الخصمين عادا في النهاية إلى الطاولة نفسها التي كانت موجودة قبل اندلاع المواجهة، ولكن بعد كلفة أعلى بكثير، وخسائر أكبر، ومخاطر كان يمكن أن تتجاوز حدود المنطقة كلها.

لذلك قد يكون من المبكر الحديث عن منتصر ومهزوم. فما زالت الملفات الأساسية مفتوحة، وما زالت المفاوضات المقبلة هي التي ستحدد ما إذا كان ما جرى بداية مسار جديد أم مجرد هدنة مؤقتة.

وبعد كل ما قيل عن الحسم والردع وكسر الإرادات، عادت السياسة لتفرض نفسها من جديد، وعاد الجميع إلى ما كان مطروحًا منذ البداية: الحوار!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z