حاتم الطائي
◄ "منتدى الرؤية الاقتصادي" منصة وطنية متخصصة تقرأ الواقع وتستشرف المستقبل
◄ توصيات طموحة تُعرض على المسؤولين لاختيار الأنسب للتطبيق
◄ الدبلوماسية الاقتصادية نجحت في جذب الاستثمارات وتعزيز النمو
عندما قررنا في جريدة الرؤية قبل أكثر من 15 عامًا، أن نُطلق منتدى الرؤية الاقتصادي، وضعنا عدة أهداف حيوية، من أجل تحقيق الفائدة المرجوة، والتي ترتكز في جوهرها على بناء منصة وطنية للحوار الاقتصادي في عُمان؛ إذ لم يكن الإعلام وقتذاك معنيًا بتنظيم مثل هذه المنتديات المتخصصة، وكانت "الرؤية" رائدة إعلام المبادرات، واستطعنا طيلة هذه السنوات الممتدة أن نُساهم بفاعلية في صناعة الحدث الاقتصادي، وقد تحول الكثير من توصيات المنتدى فيما بعد إلى قرارات تنفيذية ومبادرات وطنية وإجراءات لتعزيز التطور الاقتصادي في المجالات كافة.
لقد مثّل المنتدى عن جدارة، محفلًا اقتصاديًا فريدًا، يستقطب الخبراء والمتخصصين في المجالات الاقتصادية المختلفة، من أجل استعراض الرؤى التي تضمن دفع مسارات النمو الاقتصادي، وطرح الأفكار الداعمة لنمو الأنشطة على اختلافها، علاوة على تشخيص الواقع وتحدياته والتفكير في الحلول، بالتوازي مع استشراف المُستقبل وبلورة استراتيجيات طموحة تدعم الأهداف الوطنية الكبرى. ولذلك نلمس اهتمامًا لافتًا من كبار المسؤولين في الحكومة والرؤساء التنفيذيين في القطاع الخاص، بحضور أعمال المنتدى، وترقب ما يصدر عنه من توصيات، في البيان الختامي السنوي. وفي هذا العام بالدورة الخامسة عشرة من المنتدى، ناقش المسؤولون والخبراء التحديات والآفاق والواعدة للاقتصاد العُماني في زمن التحولات الكبرى، في ظل ما تواجه المنطقة والعالم من صراعات جيوسياسية وعسكرية أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي، لا سيما بعد التطورات الأخيرة في مضيق هرمز، ومن قبلها الصراع في أوكرانيا الذي تسبب في انهيار صادرات الغاز إلى أوروبا وارتفاع أسعاره. والحقيقة أن مثل هذه الأزمات هي التي ترسم مستقبل الاقتصاد، على عكس أوقات الرخاء التي لا تتغير فيها السياسات ولا تتبدل المصالح.
البيان الختامي والتوصيات الخاصة بالدورة الخامسة عشرة من منتدى الرؤية الاقتصادي، ركّزت في المقام الأول على ضرورة تعظيم الاستفادة من التحولات الجيوسياسية الكبرى في المنطقة والعالم، والعمل على إعداد استراتيجية وطنية لتعزيز نمو الصناعات التصديرية، والاستفادة من المقومات اللوجستية وتطويرها لمواكبة المتغيرات. وهذه العناصر مجتمعة، يُمكنها أن تضمن لنا نموًا اقتصاديًا متزايدًا، مع توجهنا نحو تعزيز التنويع الاقتصادي، والاستفادة من البنية الأساسية اللوجستية في الموانئ البحرية والمنافذ البرية والطرق، علاوة القدرات التصنيعية القائمة لا سيما في المدن الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة والحرة، والتي تُمثِّل رافدًا تصديريًا واعدًا.
ومع الإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي، ثمّن المشاركون في المنتدى هذه الخطوة؛ باعتبارها نقلة نوعية في جهود تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ما يُسهم في صياغة سياسات متناغمة وبلورة رؤى اقتصادية مُتفق عليها بين جميع الفاعلين في المشهد الاقتصادي. ولقد أبدى المشاركون في المنتدى اقتراحًا إلى مجلس التنسيق الاقتصادي، لإنشاء برنامج وطني لتعظيم الاستفادة من التحولات الجيوسياسية، عبر إطلاق استراتيجية اقتصادية متكاملة تهدف إلى تحويل التغيرات في مسارات التجارة العالمية وأمن سلاسل الإمداد إلى فرص استثمارية مباشرة. وهنا يؤكد منتدى الرؤية الاقتصادي مسؤولياته الوطنية؛ كونه أصبح بيت خبرة اقتصادي، قادر على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، وفق رؤية مهنية مُحايدة تضع مصلحة الوطن في صدارة الأولويات والاهتمامات. ولا شك أن للقطاع الخاص دورًا محوريًا لتعزيز النمو الاقتصادي، والإسهام في توفير فرص العمل، واستيعاب الطاقات الشابة، وتنفيذ مختلف المشروعات الاستثمارية، بما يضمن نموًا صلبًا في الناتج المحلي الإجمالي.
لقد خرج البيان الختامي للمنتدى هذا العام بما يزيد عن 13 توصية واقتراحًا، وجميعها قابلة للتنفيذ، وتؤكد أن الخبرات الوطنية عندما تُتاح لها الفرصة لطرح الحلول المُتزنة والواقعية، فإنها تنطلق بإبداعاتها الفكرية، وهو ما لمسناه من المشاركين، فقد وجدنا حرصًا وطنيًا عالي المستوى للإسهام في النقاش، وتبادل الآراء، في عصفٍ ذهني عميق الأثر ومتعدد الدلالات.
والتحولات الاقتصادية التي نشهدها من حولنا، لا يجب أن نستقبلها دون رد فعل؛ بل إن الأمر يتطلب المبادرة في كثير من الأحيان، دون انتظار التأثيرات الخارجية، خاصة وأن المنظومات الاقتصادية لم تعد تعمل في معزل عن بعضها البعض، وباتت سلاسل الإمداد والتوريد أكثر ترابطًا وتأثرًا بأي متغيرات أو تطورات، ومؤشرات التضخم أو أسعار الفائدة في أي دولة، تنعكس على العديد من الدول الأخرى، ما يستدعي التضامن والتعاون اقتصاديًا بين الجميع.
وهذا التعاون يجب أن يشمل كذلك الاستثمارات المشتركة، وبناء الشراكات الاقتصادية، والتوسع في اتفاقيات التجارة الحرة، لتعزيز التشابك الاقتصادي وتعميق العوائد المُتحققة من العلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية مع مختلف دول العالم.
ومن يُمن الطالع أن نتحدث عن العلاقات الاقتصادية مع الدول، تزامنًا مع الزيارة المرتقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى الجمهورية الفرنسية، وسط توقعات المسؤولين بالتوقيع على اتفاقيات ومذكرات تفاهم لإنشاء مشروعات وجذب استثمارات بقيمة تصل إلى 2.25 مليار دولار، وهو ما يعكس الدور المحوري للدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة عاهل البلاد المُفدى- أيده الله-.
ويبقى القول.. إنَّ التطورات الإقليمية والدولية تفرض علينا الاستعداد دائمًا لمجابهة التحديات، والعمل على بناء استراتيجيات فعّالة لتحقيق الاستفادة المُثلى من التحولات الكبرى، وترسيخ النموذج الاقتصادي القائم على الإنتاجية وتوظيف الكفاءات والموارد على النحو الأكمل، بما يخدم مسيرة نهوضنا الوطني ويدعم مسارات التحول الساعية لتحقيق الاستقرار المعيشي للمواطن وازدهار الاقتصاد.
