◄ العويني: الاقتصاد العُماني أثبت قدرة متنامية على التكيُّف مع المتغيرات العالمية
◄ السياسات المالية المتوازنة عززت من متانة النظام المالي ورفعت مستويات الثقة
◄ توقعات بتسارُع نمو الاقتصاد العُماني إلى نحو 3.7% خلال العام الجاري
◄ "صندوق النقد": الاقتصاد العُماني أظهر قدرًا كبيرًا من المرونة والصمود في وجه الأزمات
◄ القطاعات غير النفطية تسهم بـ73% في الناتج المحلي الإجمالي
◄ مركز عُمان المالي العالمي خطوة استراتيجية في مسيرة تطوير القطاع
◄ الطائي: الموانئ واللوجستيات والسياحة والتعدين قطاعات واعدة تعزز "التنويع"
◄ مسندم تتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية يتعين توظيفها على النحو الأمثل
◄ الشنفري: عُمان تزخر بمقومات استثنائية تؤهلها للانتقال بثقة إلى مرحلة جديدة من النمو
◄ الحارثية: 4 تحولات رئيسة تُعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي
الرؤية- سارة العبرية- ريم الحامدية
تصوير/ راشد الكندي
رعى صاحب السُّمو السيد محمد بن ثويني بن شهاب آل سعيد، صباح أمس الأربعاء، انطلاق الدورة الخامسة عشرة من أعمال منتدى الرؤية الاقتصادي، والتي تنعقد هذا العام تحت عنوان "الاقتصاد العُماني في زمن التحولات الكُبرى"، بمشاركة 26 خبيرًا اقتصاديًا، وذلك على مدار يومي الأربعاء والخميس من هذا الأسبوع، وبشراكةٍ استراتيجيةٍ مع الشركة العُمانية العالمية للتنمية والاستثمار "أومينفست".
وأُلقى بيان افتتاح المنتدى، سعادةُ محمود بن عبدالله العويني أمين عام وزارة المالية عضو مجلس إدارة مركز عُمان المالي العالمي؛ حيث استعرض مسيرة النمو والتطورات المتسارعة في القطاعات المالية والاقتصادية، في مرحلة تُعد من أهم مراحل التحول الاقتصادي في سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- من خلال رؤية "عُمان 2040" وبرامجها التنفيذية المُتعاقبة.
وأكد سعادته أن الاقتصاد العُماني أثبت خلال السنوات الماضية قدرةً متناميةً على التكيُّف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، مُستنِدًا إلى سياسات ماليةٍ واقتصاديةٍ متوازنة وإصلاحات هيكلية مُتدرِّجة عزَّزت من متانة المالية العامة ورفعت من مستويات الثقة المحلية والدولية في الاقتصاد الوطني؛ إذ أشاد صندوق النقد الدولي بمتانة الاقتصاد العُماني في مُواجهة التحديات المتتالية، مدعومًا بنمو الأنشطة غير النفطية واستقرار معدلات التضخم وتحسُّن المؤشرات المالية والاقتصادية الكُليَّة. وذكر أن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى تسارُع نمو الاقتصاد العُماني إلى نحو 3.7% في عام 2026، على الرغم من التحديات والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، مؤكدًا على استمرار التقدم في تنفيذ الإصلاحات المرتبطة برؤية عُمان 2040. وتابع العويني أن تقديرات الصندوق تُشير كذلك إلى أن الاقتصاد العُماني واصل إظهار قَدرٍ كبيرٍ من المرونة والصمود في آنٍ واحدٍ، وذلك استنادًا إلى التحسن المستمر في مؤشرات الدين العام والأداء المالي الحكومي وتعزيز القدرة على مواجهة تقلبات أسعار النفط.
وتابع سعادته أن وكالة ستاندرد آند بورز أكدت التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان عند مستوى الجدارة الاستثمارية "-BBB" مع الإبقاء على النظرة المُستقبلية المُستقرة لمتانة المركزيْن المالي والخارجي للسلطنة عُمان.
وأكد سعادة الأمين العام لوزارة المالية أن هذه التقييمات تعكس تنامي الثقة الدولية في الاقتصاد الوطني، مع استمرار وجود تحديات تتطلب مواصلة العمل، وفي مقدمتها تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز إنتاجية سوق العمل، واستقطاب المزيد من الاستثمارات والتقنيات المتقدمة.
وقال سعادته: "إذا ما تحدثنا عن التطورات المالية، فلا بُد من التعريج على ما شهدته المالية العامة للدولة خلال الأعوام الماضية من تحسن ملحوظ بفضل تطبيق حزمة من الإصلاحات المالية والإدارية؛ الأمر الذي أسهم في تعزيز كفاءة الإنفاق العام، وتحسين إدارة الدين العام، وتنويع مصادر الإيرادات الحكومية؛ حيث بلغت مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي نحو (73%)، وقد انخفض الدين الحكومي إلى نحو (36%) من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، مقارنة مع (68%) قبل سنوات قليلة". وتابع سعادته قائلًا إن هذه التطورات عززت مكانة سلطنة عُمان الائتمانية وجاذبيتها الاستثمارية، وحققت المرتبة 25 عالميًا من بين 70 اقتصاد في تقرير التنافسية العالمية لعام 2026، الذي يُقيِّم الاقتصاد من خلال 4 محاور رئيسية (الأداء الاقتصادي، وكفاءة الحكومة، وكفاءة الأعمال، والبنية الأساسية) وحصلت سلطنة عُمان على مراتب متقدمة؛ إذ وصلت المرتبة (15) عالميًا في محور كفاءة الحكومة، و(18) عالميًا في محور كفاءة الأعمال.
وقال سعادته: "استبشر الجميع خيرًا مطلع شهر يونيو الجاري، مع صدور الأمر السلطاني السامي بتشكيل مجلس إدارة مركز عُمان المالي العالمي، والذي يُمثِّل محطة استراتيجية جديدة في مسيرة تطوير القطاع المالي في سلطنة عُمان وتعزيز مكانته على خارطة المراكز المالية الدولية". وأضاف أن تأسيس المركز جاء بعد دراسات متخصصة والاستفادة من تجارب المراكز المالية الإقليمية والعالمية، ليشكل منصة متكاملة تهدف إلى استقطاب المؤسسات المالية العالمية والبنوك التجارية والإسلامية ومؤسسات إدارة الأصول والخدمات المالية المتقدمة وغيرها من الخدمات المساندة للقطاع المالي.
وأكد أن هذا المركز يكتسبُ أهمية مُتنامية في ظل ترؤس صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية لمجلس إدارة المركز، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الذي تُوليه القيادة الحكيمة لهذا المشروع الاستراتيجي، والدور المحوري المنتظر أن يؤديه في دعم مستهدفات التنويع الاقتصادي وتعزيز جاذبية سلطنة عُمان للاستثمارات النوعية.
وتابع أنه من المؤمل أن يُسهم المركز في توفير بيئة أعمال تنافسية وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية، وتسهيل حركة رؤوس الأموال، وتعزيز الابتكار المالي والتقنيات المالية الحديثة، واستقطاب الكفاءات والخبرات العالمية، وإيجاد فرص عمل تخصصية ونوعية لدعم تطوير القطاع المالي، إلى جانب نمو الخدمات المالية المتخصصة وتوسيع قاعدة الاستثمارات الأجنبية المباشرة مع توفير خيارات تنظيمية وتشريعية متقدمة للشركات العُمانية الراغبة في التوسع.
وأشار إلى أن رؤية المركز تنطلق من العمل على ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كمركز مالي إقليمي يربط بين أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا، مستفيدًا من الاستقرار المالي والاقتصادي لسلطنة عُمان، ومنظومتها التشريعية المتطورة، وعلاقاتها الاقتصادية المتوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.
وسلط سعادة الأمين العام لوزارة المالية الضوء على مجموعة من القطاعات الاقتصادية الواعدة التي تمتلك سلطنة عُمان فيها مزايا تنافسية واضحة؛ إذ يأتي القطاع المالي في قلب هذه المنظومة التنموية، باعتباره أحد أهم الممكنات للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات. وقال إن وزارة المالية تواصل العمل مع شركائها الاستراتيجيين على تطوير الأطر المالية والتشريعية الداعمة للاستثمار، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد العامة، وتوسيع نطاق الشراكة مع القطاع الخاص؛ بهدف الإسهام في خلق بيئة اقتصادية أكثر تنافسية واستدامة.
وجدد العويني التأكيد على أن مركز عُمان المالي العالمي سيُمثِّل رافدًا مهمًا لهذه الجهود من خلال توفير منظومة مالية متقدمة تدعم تدفقات الاستثمار وتمويل المشروعات الاستراتيجية.
واختتم سعادته بيان المنتدى بالقول إن ما تَحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية يمثل قاعدة قوية للانطلاق نحو مرحلة جديدة من النمو المستدام والتنويع الاقتصادي، مدعومين برؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، وإرادة وطنية راسخة. وقال: "نحن على ثقة بأن سلطنة عُمان ماضية بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، وترسيخ مكانتها كنموذج اقتصادي وتنموي متوازن وقادر على المنافسة إقليميًا وعالميًا".
منتدى فاعل
وألقى حاتم بن حمد الطائي رئيس تحرير جريدة الرؤية، الأمين العام للمنتدى، كلمة استعرض فيها الدور المحوري لمنتدى الرؤية الاقتصادي مع انطلاق الدورة الخامسة عشرة منه؛ حيث سعى المنتدى على مدار أكثر من عقدٍ ونصف العقد، إلى الإسهام في مسيرة نمو اقتصادنا الوطني، عبر طرح أفكار استشرافية ذات أبعاد استراتيجية، ودعم صُناع القرار بالرؤى التحليلية والمناقشات المُعمَّقة حول أبرز القضايا والمُستجدات الاقتصادية، وتداعياتها على المستويات كافةً.
وقال الطائي إن المنتدى ينعقد في لحظة استثنائية من تاريخ الاقتصاد العالمي، تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع المُتغيِّرات الاقتصادية والتكنولوجية، وتُعاد خلالها صياغة خرائط التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والطاقة بوتيرة لم يشهدها العالم منذ عقود، في إطار حراك عالمي لبناء مسارات اقتصادية لم نعهدها من قبل، ترتكز في المقام الأول على التحالفات غير التقليدية، والتوظيف الأمثل للموارد والمزايا الاستراتيجية.
وأوضح أن سلطنة عُمان تبرُز باعتبارها إحدى الدول القليلة التي تزخر بمزيج فريد من المزايا الجغرافية والسياسية والاقتصادية، القادرة على تحويل حالة اللايقين العالمية إلى فُرص تنموية حقيقية، وقد أثبتت التحديات والأزمات المتتالية، صلابة الاقتصاد العُماني في تجاوز الأزمات والقدرة على الصمود.
وأشار إلى أنه في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من قلاقل وتوترات، تبرُز الموانئ العُمانية الواقعة على المياه المفتوحة باعتبارها بدائل استراتيجية تتمتع بدرجة عالية من المرونة والقدرة التشغيلية، وهو ما يستوجب مواصلة المساعي الرامية لتحويل عُمان إلى مركز لوجستي عالمي، عبر تطوير هذه الموانئ وتوسيع أنشطتها، من خلال تعميق المرسى وزيادة عدد الرافعات وتوفير خدمات صيانة السفن بمعدلات أكبر، ومزيد من الربط بينها وبين المناطق الحرة والصناعية، وتعزيز الصناعات التصديرية. وسلط الطائي الضوء على الأهمية الاستراتيجية لكل من: ميناء الدقم، وميناء صلالة، وميناء صحار، كونها مراكز لوجستية وصناعية، مؤهلة لاستيعاب جزء متنامٍ من حركة التجارة الإقليمية والدولية.
وذكر أن ميناء الدقم، تحديدًا، يمثل المشروع الاقتصادي الاستراتيجي المتكامل الذي يجمع عدة قطاعات في بوتقة اقتصادية واحدة؛ حيث تتلاقى الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير. وتتعزز الميزة التنافسية للميناء بفضل إطلاله على بحر العرب، والوصول المباشر إلى الأسواق العالمية شرقًا وغربًا؛ بعيدًا عن الممرات الملاحية الضيقة التي باتت عُرضة للتوترات في أي وقت، أما ميناء صلالة، فتزداد أهميته الاستراتيجية كمركز عالمي لإعادة التصدير، مُستفيدًا من موقعه على أحد أكثر خطوط التجارة البحرية ازدحامًا في العالم؛ حيث قربه الجغرافي من مضيق باب المندب.
وقال رئيس تحرير جريدة الرؤية إن تقارير المؤسسات الدولية تُبرز بجلاء وبلغة لا تقبل التأويل، مدى الأهمية الاستراتيجية للموانئ العُمانية، والمنظومة اللوجستية في سلطنة عُمان؛ حيث تترابط الموانئ البحرية مع الطرق البرية والسكك الحديدية والمطارات الجوية ونقاط الشحن، ومواقع التخزين، مُشكِّلةً سلسلة إمدادات عالية القيمة، تتمتع بأعلى درجات الأمان الاقتصادي والسياسي، وهنا أودُ أن أُثمِّن عاليًا الجهود الحكومية الكبيرة التي ضخّت مليارات الريالات العُمانية لتطوير البنية الأساسية اللوجستية، لا سيما في المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة والمدن الصناعية، وغيرها، ما رفع من جاهزيتها وفق أعلى المعايير الدولية.
وذكر أنه بالتوازي مع هذه المنظومات الاقتصادية، تتزايد الأهمية الاستراتيجية لمواقع بعينها في عُمان، وعلى رأسها محافظة مسندم، ذات البُعد الاستراتيجي والاقتصادي الكبير، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي نشهدها في المنطقة، وما يتعلق بأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز. ونُود في هذا السياق أن نُثمِّن الجهود الحكومية القائمة لإنشاء مشروعات خدمية وتنموية في المحافظة، لكن الأمر ما يزال يتطلب تنفيذ مشروعات نوعية تواكب التحوُّلات المرتقبة خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أنه مع أهمية ما تحقق من إنجازات، فإن المرحلة المقبلة تفتح أمام اقتصادنا الوطني آفاقًا أوسع للنمو والازدهار، وهو ما يدفعنا إلى تركيز مزيد من الاهتمام إلى قطاعات التنويع الاقتصادي وخاصة القطاع السياحي بنا فيه سياحة المغامرات، واللوجستيات، والصناعات التحويلية؛ بما يتماشى مع مُستهدفات رؤية عُمان 2040، وخاصة الفرص الاستراتيجية في قطاع الصناعات التحويلية، والتصدير، والصناعات المرتبطة بالمعادن، ومشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والصناعات الغذائية والدوائية، والصناعات التقنية وخاصة أشباه الموصِّلات وصناعة الفضاء، في ضوء البرنامج الوطني للفضاء؛ بما يضمن تحقيق مُستهدفات التنويع الاقتصادية والتنمية الشاملة المُستدامة.
وأكد الطائي أن الحديث عن التنميةِ الاقتصاديةِ واستدامتِها، يستوجبُ تسليطَ الضوءِ على دورِ القطاع الخاص في تحقيق النمو الاقتصادي، والعمل على تمكينه من أداء أدوراه المنوطة به، وعلى رأسها قيادة النمو وتعزيز الابتكار وتوفير فرص العمل، وذلك من خلال بذل الجهود لتحويل هذا القطاع من قطاع يعتمد على الإنفاق الحكومي، إلى قطاع إنتاجي مُبادِر ومُنتج وفاعل في المنظومة الاقتصادية. وشدد على الحاجة الماسة إلى دور حيوي لغرفة تجارة وصناعة عُمان، فلا يُمكن أن تظل الغرفة بعد عقود ممتدة من التنمية، ما تزال تؤدي أدوارًا بروتوكولية غير مؤثرة بالدرجة الكافية في المشهد الاقتصادي.
وقال الطائي: "إنه لمن يُمن الطالع، أن ينعقد هذا المنتدى بعد أيام قليلة من صدور التوجيهات السامية الكريمة بإنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي، ليكون حلقة الوصل بين السياسات الحكومية ومتطلبات القطاع الخاص، ويعمل على استشراف توجهات الاقتصاد العالمي، وتعزيز نمو القطاعات الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص في دعم النمو".
الشريك الاستراتيجي
فيما قدَّم بدر بن عوض الشنفري الرئيس التنفيذي للعمليات لدى "أومينفست"، كلمة الشريك الاستراتيجي، وقال إن التاريخ الاقتصادي أثبت أنَّ الأمم لا تُقاس بقدرتها على تجنب التغيير، بل بقدرتها على تحويله إلى فرصة. وأضاف أن سلطنة عُمان تمتلك مقومات استثنائية تؤهلها للانتقال بثقة إلى مرحلة جديدة من النمو، على رأسها موقعها الجغرافي الفريد الذي أصبح- في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة- أصلًا استراتيجيًا وطنيًا لا يُقدَّر بثمن؛ ما يجعل هذه المرحلة استثنائية بالنسبة لعُمان هو أن الاضطرابات الجيوسياسية لا تُضعف موقعنا، بل تُعزّزه. وذكر أنه خلال التصعيد الأخير في المنطقة واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، تمكَّنت موانئ الدُقم وصحار وصلالة من استقبال مئات السفن الإضافية وإدارة عبورها بكفاءة، ولم يكن ذلك نتيجة إجراءات طارئة، بل ثمرة استثمارات طويلة الأجل كشفت الأزمة قيمتها الاستراتيجية الحقيقية.
وأضاف أن الأرقام تتحدث بوضوح في هذا الإطار؛ حيث بلغ إجمالي حجم البضائع في موانئ عُمان 45 مليون طن عام 2025 بزيادة 7%، فيما سجّل ميناء الدُقم نموًا استثنائيًا بلغ 143%. وتابع أن ميناء صلالة أطلق في مطلع 2025 توسعة بقيمة 300 مليون دولار رفعت طاقته الاستيعابية إلى 6.5 مليون وحدة، كما أطلق الممر الأخضر بين عُمان والإمارات ليُسهّل حركة البضائع عبر الموانئ والمطارات العُمانية؛ وخلال فترة قصيرة قفزت قيمة البضائع من حدود 100 مليون ريال عُماني إلى ما يزيد على 830 مليون ريال عُماني في شهر أبريل، مما يعكس الطلب الهائل على المسارات البديلة عند تعرض الممرات التقليدية للضغوط. ويُضاف إلى ذلك مشروع حفيت ريل بقيمة 3 مليارات دولار الذي يربط ميناء صحار بشبكة السكك الحديدية الإماراتية، والمنطقة الاقتصادية المشتركة "الروضة" الأولى من نوعها التي تمنح المصنّعين وصولًا مزدوجًا إلى موانئ بحر العرب وميناء جبل علي معًا، حيث بلغ التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين مستوى قياسيًا بلغ 6.2 مليار ريال عماني في 2025 بارتفاع 11.3%.
وعلى المستوى العالمي، ذكر الشنفري أن تجارب الدول الناجحة تُثبت أن الموقع وحده لا يكفي، بل الأهم من ذلك هو القدرة على الاستثمار فيه. فسنغافورة، رغم مساحتها التي تقل عن 750 كيلومترًا مربعًا وافتقارها للموارد الطبيعية، تحولت إلى أحد أهم المراكز التجارية والمالية واللوجستية في العالم من خلال موقعها الاستراتيجي وربطها بالتجارة العالمية. وهولندا استثمرت في ميناء روتردام ليصبح أكبر ميناء في أوروبا لعقود، وأحد أهم محركات اقتصادها. عُمان تسير على هذا الدرب ذاته، وأمامها من المقومات ما يفوق ما بدأت به تلك الدول.
وقال: "إذا كانت الموانئ والمطارات تمثل شرايين التجارة العالمية، فإن الكابلات البحرية ومراكز البيانات أصبحت تمثل شرايين الاقتصاد الرقمي، وتمتلك السلطنة في هذا المجال مقومات نادرة؛ حيث يمر بها أكثر من 20 نظام كابلات بحرية دولية و5 محطات إنزال تربطها بآسيا وأفريقيا وأوروبا والخليج، علمًا بأن نحو 95% من حركة البيانات الدولية تمر عبر الكابلات البحرية. وتُضاف إلى هذه المقومات الرقمية ميزات استثنائية نحو 60% من السكان يتركزون في 10% فقط من المساحة، مما يُتيح مساحات شاسعة للتوسع؛ فضلًا عن مزيج من الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح يُمكّن من تشغيل مراكز بيانات نظيفة وبتكلفة تنافسية. ويمكن النظر إلى السلطنة ليس فقط كموقع جغرافي متميز، بل كجزء من الحل العالمي لبناء شبكات تجارة وبيانات أكثر مرونة وتنوعًا وقدرة على مواجهة الصدمات، تمامًا كما تعزز مكانتها مركزًا للتجارة والخدمات اللوجستية والطاقة".
وأكد أن مجموعة أومينفست تنظر إلى هذه المعطيات بعين المستثمر الاستراتيجي، فما يحدث اليوم لا يعني تحسنًا في الأرقام الاقتصادية وحسب، بل تزايد في الثقة بالاقتصاد العُماني وقدرته على جذب رؤوس الأموال والاستثمارات النوعية؛ إذ ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 31 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2025، كما سجل قطاع التشييد والبناء نموًا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 11%، وهو ما يعكس الزخم المتزايد الذي يشهده القطاع العقاري ومشاريع التطوير العمراني في مختلف أنحاء السلطنة، وتزامن ذلك مع استعادة عُمان للدرجة الاستثمارية من وكالات "موديز" و"فيتش" و"إس آند بي"، في تأكيد دولي على متانة الأسس الاقتصادية ونجاح مسار الإصلاحات. وعندما نجمع هذه المؤشرات مع توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الاقتصاد بنسبة 3.7% خلال عام 2026، فإن الصورة التي تتشكل أمامنا هي اقتصاد يواصل تعزيز جاذبيته الاستثمارية ويحقق تقدمًا ملموسًا على أرض الواقع.
وقال الشنفري: "إننا في أومينفست نؤمن أن الاستثمار شراكة في صناعة المستقبل، أعمق بكثير من مفهوم التوظيف لرأس المال، وأن استراتيجيتنا ترتكز على بناء القيمة طويلة الأجل، ودعم القطاعات الحيوية، وتمكين المؤسسات القادرة على خلق أثر إيجابي مستدام. ونؤمن أن القطاع الخاص شريك أساسي في بناء عُمان، وأن المستقبل سيكافئ الاقتصادات التي تنجح في إعداد شبابها بمهارات العصر وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال لديهم. وهذه هي الرهانات التي تستحق أن نضع عليها كل جهودنا".
وأكد الشنفري أن ما يدعو إلى التفاؤل ليس فقط ما تحقق من إنجازات، وإنما وضوح الرؤية وجدية الإرادة. فعُمان اليوم تمضي بخطى واثقة نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وانفتاحًا واستدامة. والرسالة الأهم التي نخرج بها من هذا المنتدى هي أن التحولات الكبرى لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مصدر قلق، بل باعتبارها نافذة واسعة للفرص.
وقال: "السؤال المطروح علينا ليس هل نمتلك الموقع والإمكانات؟ فالإجابة نعم بلا تردد. إنما السؤال الحقيقي هو هل نمتلك الجرأة الكافية على الاستثمار في هذه الإمكانات، وبناء الشراكات، وإعداد أجيال قادرة على قيادة هذا التحول؟ وكلما كانت رؤيتنا أوضح وشراكاتنا أقوى واستثماراتنا أكثر جرأة وابتكارًا، كانت قدرتنا أكبر على تحويل تلك الفرص إلى قيمة حقيقية للأجيال القادمة".
اقتصاد منتج ومتزن
وطرحت الدكتورة سهام بنت أحمد الحارثية عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان، ورقة العمل الرئيسة لليوم الأول، بعنوان "من الموارد إلى القيمة.. كيف تبني عُمان اقتصادًا مُنتجًا ومرنًا في زمن التحولات الكبرى"؛ حيث استعرضت رؤيتها لتحويل الموارد إلى قيمة مضافة مستدامة في ظل التحولات الكبرى، مؤكدة أن عُمان تملك فرصة تاريخية لإعادة تموضع اقتصادها مستفيدة من موقعها الجغرافي واستقرارها ومُستهدفات رؤية عُمان 2040.
وعددت الحارثية 4 تحولات رئيسة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي؛ هي: إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، والتحول في أسواق الطاقة، والمنافسة على الاستثمار العالمي.
كما أبرزت المزايا التنافسية لسلطنة عُمان، وعلى رأسها الموقع الاستراتيجي والبنية التحتية المتطورة والاستقرار السياسي والتشريعات الحديثة والموارد الطبيعية المتنوعة والكفاءات الوطنية الماهرة، مشددة على أن المزايا وحدها لا تكفي، وأنه لا بُد من تحويل المزايا إلى منظومات إنتاج وقيمة.
وعلى مدار يومين، تتناول الجلسات النقاشية عدة قضايا اقتصادية، على رأسها: تحويل المرونة الاقتصادية إلى فرص واعدة، والتحولات الكبرى في عصر الأزمات، والابتكار والاستثمار لقيادة النمو الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، والتحوُّل الرقمي ومُستقبل الوظائف.
وفي اليوم الأول، عُقدت الجلسة النقاشية الأولى تحت عنوان "تحويل المرونة الاقتصادية إلى فرص واعدة"، بمشاركة الحسين بن علي بن سالم القلهاتي نائب مدير عام الاستراتيجية وتطوير الأعمال بمركز عُمان المالي العالمي، والدكتور خالد بن سالم السعيدي رئيس مركز عُمان للتحكيم التجاري، رئيس لجنة التظلمات الضريبية بوزارة المالية، وبدر بن عوض الشنفري الرئيس التنفيذي للعمليات بمجموعة "أومينفست"، والدكتورة سهام الحارثية عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان، فيما أدارت الجلسة الخبيرة الاقتصادية عزة الحبسية.
وألقى الدكتور إبراهيم حسن مصطفى سيف، الخبير في الاقتصاد السياسي، وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني سابقًا، ورقة عمل بعنوان "الآفاق الجيواقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب"، تلتها الجلسة النقاشية الثانية بعنوان "التحولات الكبرى في عصر الأزمات"، وشارك فيها إلى جانب الدكتور إبراهيم سيف، كلٌ من: المهندس أحمد بن علي عكعاك، الرئيس التنفيذي للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، والمهندس عبدالله بن أحمد المياسي مدير عام مدينة صحار الصناعية، وأدار الجلسة الإعلامي القطري الأستاذ جابر الحرمي.
والتأمت الجلسة النقاشية الثالثة بعنوان "الابتكار والاستثمار لقيادة النمو الاقتصادي"، بمشاركة حسين بن علي الراشدي مدير عام التخطيط والأداء المؤسسي بالإنابة بجهاز الاستثمار العُماني، وياسر المعولي رئيس الشؤون المالية ببنك العز الإسلامي، ويعرُب بن ناصر السيابي مدير مشروع صناعات الطاقة المتجددة بهيئة المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، ورجل الأعمال علي محمد جمعة اللواتي، بينما أدار الجلسة الدكتور خالد بن سعيد العامري رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العُمانية.
من جهة ثانية، تنطلق، اليوم الخميس، أعمال اليوم الثاني، من منتدى الرؤية الاقتصادي تحت عنوان "القطاع الخاص.. وآفاق التنويع الاقتصادي"، ويستهلها سعادة عزان بن قاسم البوسعيدي وكيل وزارة التراث والسياحة للسياحة، الذي يقدم بيان اليوم الثاني حول دور القطاع السياحي في تعزيز التنويع الاقتصادي.
ويقدم ورقة العمل الرئيسة الأستاذ الدكتور سعيد بن مبارك المحرمي، عضو مجلس إدارة البنك المركزي العُماني، بعنوان "السياسات النقدية وتأثيراتها على النمو والتضخم".
وتناقش الجلسة الأولى من اليوم الثاني "تمكين القطاع الخاص واستثمارات سوق رأس المال"، بمشاركة سعادة الشيخ عبدالله بن سالم السالمي الرئيس التنفيذي لهيئة الخدمات المالية، والمكرم الدكتور محمد بن حميد الوردي عضو اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الدولة، والشيخ عبدالعزيز السعدي الرئيس التنفيذي "أوبار كابيتال"، وهيثم السالمي الرئيس التنفيذي لبورصة مسقط، بينما يُدير الجلسة الدكتور أحمد بن سعيد كشوب رئيس مكتب "المؤشر" للاستشارات الاقتصادية والمالية.
وتنعقد بعد ذلك الجلسة الثانية وتناقش "الاستثمار الأجنبي والتحوُّل الرقمي ومُستقبل الوظائف"، بمشاركة المكرم الدكتور حسين بن سليمان السالمي عضو لجنة التقنية والابتكار بمجلس الدولة، والدكتور يوسف بن حمد البلوشي خبير ومستشار اقتصادي، والدكتور سعيد بن محمد الكلباني مدير عام مركز إكسلنس للتطوير، فيما يُدير الجلسة الإعلامي عبدالله الشعيلي.
ويختتم المنتدى أعمال بجلسة ختامية تتضمن إعلان المنتدى والتوصيات التي خرج بها المشاركون على مدار جلساته النقاشية وأوراق العمل.
ويسعى المنتدى إلى بلورة رؤية اقتصادية أكثر عمقًا لطبيعة الاقتصاد العُماني، مع إبراز دور القطاع الخاص في دعم التحول الاقتصادي؛ بما يتماشى مع رؤية "عُمان 2040".
يُشار إلى أن المنتدى يشهد لأول مرة تغطية إعلامية دولية، مع حضور قناة "CNBC عربية" وقناة "الشرق بلومبرج" كشريكين إعلاميين.






















