حاتم الطائي
◄ الأمم الحُرة لا تخضع ولا تنكسر وتصمد حتى النصر
◄ أمريكا مُنيت بهزيمة ساحقة في حرب الإرادات والسرديات
◄ الصمود الإيراني أحدث أول تصدُّع في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
كشفت الحرب التي خاضتها الولايات المُتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عن مُفاجآت لم يتوقعها أي خبير استراتيجي ولا مُحلل سياسي، وبرهنت على أنَّ هذه الحرب إنما هي حرب إرادات وحرب سردية، وأن الهزيمة التي مُنيت بها واشنطن وتل أبيب عكست الفجوة الهائلة بين الإرادة الحُرة، وإرادة الإذعان، وأن الأمم والشعوب الحُرة لا تقبل مطلقًا بالهوان والذل، وأنَّ القوى العسكرية مهما بلغ بطشها، لا تستطيع أن تفرض شروطها ولا أهدافها على هذه الأمم المستقلة فكريًا ومعرفيًا قبل أن تكون مستقلة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
الحرب التي شنتها أمريكا والكيان الصهيوني بغتةً في أوج المفاوضات مع إيران، لم تكن سوى محاولة يائسة لتكرار سيناريو فنزويلا؛ حيث ظنَّ "الكاوبوي" (راعي البقر) الأمريكي أنَّ بإمكانه شن عملية عسكرية خاطفة لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني وكبار القادة، فيسقُط النظام ويثور الشعب، ثم تعود إيران إلى نظام الشاه الموالي لأمريكا والخاضع بالكامل للكيان الصهيوني. غير أنَّ المفاجأة أنَّ هذه الاغتيالات غير المسبوقة والقصف والتدمير لمقدرات الدولة الإيرانية، لم تفلح في هز الثقة الشعبية في النظام الإيراني، ولم يواجه النظام نفسه أية إشكالية في إعادة ترتيب الصفوف، وتعيين قادة جُدد، والأهم من ذلك المقاومة العسكرية الشاملة، واستخدام كل أوراق الضغط السياسي والعسكري لصد العدوان الأمريكي الصهيوني، بما في ذلك ورقة مضيق هرمز، التي تبين أنَّها كانت الوسيلة الأقوى في ردع العدوان.
وعلى مدار الأشهر الماضية؛ سواء فترة اندلاع العمليات العسكرية بين الطرفين، أو خلال وقت الهدنة المؤقتة التي سبقت التوقيع على الاتفاق بين أمريكا وإيران، اشتعلت حرب السرديات والإرادات، الحرب بين صوت الحق ونعيق الباطل؛ ففي ظل الحرب على إيران سعت الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما إلى طرح سردية أنَّ إيران مُنيت بهزيمة عسكرية مدوية، وأن النظام قد سقط، وأن الحرس الثوري فقد القدرة التنظيمية، وتحولت أنشطته إلى ما يشبه الذئاب المنفردة، وغيرها من السرديات التي تبيّن كذبها لاحقًا، لتضرب إيران نموذجًا في الصمود العسكري في وجه قوة عسكرية غاشمة. ثم تلى ذلك، مرحلة التفاوض الدبلوماسي على إنهاء الحرب، فما وهنت إيران ولا ضعفت ولا استكانت، وإنما ظلت متمسكةً بحقوقها وشروطها دون تنازل أو تراجع، وسطّرت معادلة ردع جديدة قائمة على الندية في الرد العسكري، والتمسك بالمطالب السياسية والاقتصادية، مهما بلغ حجم الضغط من الجانب الآخر. لقد انتصر صانع السجاد الإيراني الصبور في معركة العض على الأصابع خلال فترة المفاوضات؛ فبينما خرج ترامب أكثر من 38 مرة يذكر فيها بأنَّ الاتفاق مع إيران بات وشيكًا بهدف تهدئة الرأي العام الغاضب والمعترض على الحرب، لم تتردد إيران لحظة في نفي مثل هذه التصريحات، وكشف الأبعاد الحقيقية للمفاوضات، وأبرزها أن الإصرار الأمريكي على التدخل في الشؤون الإيرانية وفرض الشروط المُجحفة، لن يُفضيا إلى التوصل لأي اتفاق مهما كانت النتائج، وأن تحقيق مصالح الشعب الإيراني وضمان الحقوق الإيرانية، من بين المُحددات الرئيسية للقبول بأي اتفاق سلام مع أمريكا.
لقد نجحت إيران في فرض إرادتها وشروطها لوقف الحرب، وتركزت في نقطتين بارزتين؛ الأولى داخلية، وتشمل ضمان السيادة الإيرانية، ووقف شامل للعدوان، ورفع العقوبات الاقتصادية، واستعادة الأموال المُجمَّدة في الخارج. والثانية خارجية، من خلال النص صراحة على أن وقف إطلاق النار يتضمن لبنان. وهذه النقطة بالتحديد تمسّكت بها إيران، والتزمت بمبدأ "وإن عُدتم عُدنا"؛ حيث رفضت إيران القصف الإسرائيلي على لبنان، وأعلنت غلق مضيق هرمز في ظل عدم الالتزام ببنود الاتفاق مع أمريكا. هنا نكتشف أن الإرادة الصلبة للقيادة الإيرانية تمسّكت بمطالبها ونفذت تهديدها في حال عدم التزام إسرائيل بالاتفاق، وفي المُقابل لم تقف المقاومة في جنوب لبنان مكتوفة الأيدي؛ بل دافعت عن أرضها ووطنها، ونجح حزب الله اللبناني في قتل 4 جنود إسرائيليين بينهم قائد كتيبة، في عملية نوعية للمُقاومة، تؤكد أنَّ المقاومة في لبنان لا يُمكن أن تُشطب بجرة قلم في مفاوضات في واشنطن أو حسب رغبة تل أبيب، وبعض الأطراف الإقليمية، وهذا لا يُمكن قراءته سوى في سياق حرب الإرادات الكبرى التي تشهدها المنطقة؛ إرادة النصر وتحرير الأرض في مواجهة إرادة العربدة والاحتلال.
الصمود الإيراني غير المسبوق في وجه آلة الحرب الصهيوأمريكية، أفضى إلى أول شرخ في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، ولم يعد سرًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجه الشتائم إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، غضبًا منه إزاء انتهاكاته المستمرة لوقف إطلاق النار، ما دفع نتنياهو وأعضاء حكومته الإرهابية إلى التصريح علانية بأن الاتفاق بين إيران وأمريكا غير مُلزم؛ لتتطور حرب التصريحات ويخرج نائب الرئيس الأمريكي ليصب جام غضبه على حكومة الاحتلال ورئيسها مُجرم الحرب نتنياهو، بل ويُؤكد أنَّ انتقاد إسرائيل لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره "معاداة للسامية" وحذَّر من مغبة الخلط في هذا الأمر، مُعلنًا لأول مرَّة على لسان مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن مصالح أمريكا وإسرائيل لا تتطابق دائمًا، في اعتراف ضمني غير معهود بحجم الفجوة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
ويبقى القول.. إنَّ نجاح إيران في مُواجهة القوى الغاشمة وإحباط مؤامرات إسقاط النظام وتدمير الدولة، ومن ثم تركيع الولايات المتحدة وإذلال ترامب على هذا النحو، خير دليل على مدى تغيُّر موازين القوى في المنطقة والعالم، وأن حرب الإرادات انتهت لصالح إيران، أولًا عبر فرض الشروط الإيرانية في الاتفاق مع أمريكا، وثانيًا من خلال الصدع الذي نراه في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، مهما قلَّل البعض من حجم هذا التصدُّع، فلقد صدق ترامب- وقليلًا ما يصدق- عندما قال إنِّه "لولا أمريكا لكانت إيران محت إسرائيل من وجه الأرض"، وهنا يجب أن نتوقف كثيرًا لأنَّ هذه الحقيقة الكاشفة هي القاعدة التي سيجري البناء عليها مُستقبلًا، لأنَّ الوقائع تؤكد أن هذا الكيان الغاصب لن يصمد وسيزول، وقد كانت هذه الحرب ومن قبلها حرب السابع من أكتوبر، بداية الزوال النهائي والحتمي لإسرائيل.
