د. صالح الفهدي
من الصرخة التي أطلقها أحد الشباب، متسائلًا بحسرة عن كيفية زواجه مرةً أُخرى بعد أن أنفق نحو ثلاثين ألفًا على زواجه الذي انتهى في وقت قصير، إلى الشاب الذي زوَّج أُخته مكتفيًا بعقد قِران دون تكاليف الزواج المعتادة التي تقصم ظهر الشباب.. بين الأوَّل والثاني مساحةٌ من الوعي تسبَّبت في الأولى عادةٌ اجتماعية ما فتئت تتفاقم في تكاليفها رغم غلاء المعيشة والضوائق الاقتصادية المتعددة على الشباب المقبلين على الزواج.
السؤال الذي يطرأ على الخاطر هنا: ألا يتوقَّف المجتمع عند هذه العادة وغيرها من العادات التي لا تتوافق لا مع الدين، ولا مع الأوضاع الاقتصادية، ولا حتى مع بساطة المجتمع العُماني؟
الزواج في أصله ميثاقٌ إنساني وأسري يهدف إلى بناء الأسرة والاستقرار النفسي والاجتماعي، غير أن الممارسات المصاحبة له حوَّلته إلى عبءٍ ثقيلٍ يتهيَّب من حمله الشباب. لقد تحوَّلت طقوس الزواج إلى مظاهر للبذخ في جوانب ليست أساسية في الحياة الزوجية، فمظاهر الزواج تستنزف تكاليف عاليةً لسويعات محدودة (القاعات)، أو لأيام محدودة (الأسفار)، أو لاشتراطات طويلة (يمكن التغاضي عن بعضها)، فحوَّلت بذلك الزواج من غاية نبيلة لتحقيق استقرار أُسري إلى غاية مسبِّبة في إنهاء الحياة الزوجية في وقتٍ قصير.
وإننا إذ نعتز بديننا، فإن مثل هذه العادات لا تتوافق مع الدين في أساسياته، ولهذا نقول شيئًا ونفعل شيئًا آخر، وكأنما نسلِّم أنفسنا إلى عادات اجتماعية نحن غير مقتنعين بها في الداخل، ولكننا نُجر إليها جرًّا!! روى أبو هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي تزوَّجتُ امرأةً من الأنصار، فقال: «على كم تزوَّجتها؟» قال: على أربع أواقٍ، فقال النبي: «على أربع أواقٍ؟ وكأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعثٍ تُصيب فيه». هذا الحديث يعكس امتعاض النبي صلى الله عليه وسلم من المهر المبالغ فيه، وفي حديث روته السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا».
إن المتأمِّل في كثير من تكاليف الزواج المعاصرة يلحظ أنها لم تعد تُقاس بمدى الحاجة إليها، وإنما بمدى مواكبتها لما اعتاده الناس أو لما يفعله الآخرون. وهنا يظهر تأثير ما يمكن تسميته بـ"سلطة العرف الاجتماعي"، حيث يجد الفرد نفسه مدفوعًا إلى الإنفاق فوق طاقته خشية النقد أو المقارنة أو الاتهام بالتقصير، فيتحول القرار من قرار شخصي وأسري إلى استجابة لضغط اجتماعي غير معلن، يشارك الجميع في صناعته ويشكو الجميع من نتائجه.
ومن المفارقات أن المجتمع نفسه الذي يشتكي من تأخر سن الزواج، ومن ازدياد الديون، ومن تعثر بعض الزيجات في بداياتها، هو في أحيان كثيرة الذي يُعيد إنتاج الأسباب المؤدية إلى هذه المشكلات!! فحين يُنظر إلى حفلات الزواج بوصفها ساحة للتنافس في إظهار القدرة المالية، وحين تُربط كرامة الأسرة بحجم الإنفاق لا بحسن التربية والأخلاق، فإننا نكون أمام منظومة اجتماعية تحتاج إلى مراجعة أكثر من حاجتها إلى مزيد من الأموال.
ذات مرة توسَّطتُ لزواج أحد الأقارب، فقال لي والد البنت: إن الولد فقير ليس في مستوانا المادي! فعدتُ إلى الشاب ونصحته بالعدول عن فكرة مصاهرة هؤلاء الناس؛ لأنهم سيقلِّلون من شأنه، وسيستخفُّون بحالته إن قُدِّر للزواج أن يتم! لقد نظر والد البنت إلى الجوانب المادية، ولم ينظر إلى الدين والأخلاق والسيرة الحسنة للشاب! وكم من أبٍ يملك نفس قناعات هذا الرجل، فزوَّج ابنته ثريًّا ضعيف الإيمان، وضيع الأخلاق، فلاقت الشقاء والضيق في حياتها، في حين يفاخر الأب بأنه صاهر فلانًا من الأثرياء!
ومن المهم أن نتساءل: ما الذي يجعل عادة معينة تستمر رغم اقتناع كثير من الناس بأنها تسبِّب ضررًا على بناء الأسرة؟ إن أحد الأسباب الرئيسة هو أن العادات لا تعيش بقوة المنطق وحده، بل بقوة التكرار والتوقع الاجتماعي؛ فالفرد قد لا يكون مقتنعًا بالتكاليف الباهظة، لكنه يمارسها لأن غيره فعل ذلك، فتبدأ المقارنات، وتكبر المنافسات جيلًا بعد جيل. ولهذا فإن تغيير العادات لا يبدأ بمجرد الإدانة فقط، بل بإيجاد نماذج عملية تكسر هذا النمط، وتثبت أن البديل ممكن ومقبول اجتماعيًا.
ومن هنا تبرز أهمية النماذج الإيجابية التي بدأت تظهر في المجتمع؛ كشباب اكتفوا بعقد القران أو حفلات بسيطة، وأسرٍ قدَّمت التيسير والتسهيل على المبالغة في المظاهر، وقدَّمت استقرار أبنائها وبناتها على الاعتبارات الشكلية؛ فهذه المواقف ليست مجرد قرارات فردية، بل رسائل اجتماعية تعيد تعريف مفهوم النجاح في الزواج، وتنقل معيار التقدير من حجم الإنفاق إلى جودة الاختيار وحسن التأسيس للحياة الزوجية.
ولدينا في فترة وباء كورونا أمثلة أثبتت أنه يمكن التبسيط في عقود القران، وفي الاستغناء عن الحفلات، وفي تقليل المصاريف، ولهذا تخفَّف من تزوَّج في تلك الفترة من أعباء الكثير من الديون، ثم عاد المجتمع بعد ذلك وكأن شيئًا لم يكن!
إن على المجتمع أن يُراجع مثل هذه العادات مراجعةً جادة، فليس كل ما ورثه المجتمع صالحًا لكل زمان، وليس كل ما اعتاده الناس ينبغي أن يبقى دون مراجعة، فالمجتمعات الحية هي التي تمتلك القدرة على التمييز بين ما يحفظ هويتها وقيمها ويعزِّز تماسكها، وبين ما أصبح عبئًا على أفرادها واستقرارها.
والسؤال الأهم ليس: لماذا وصلت تكاليف الزواج إلى هذا الحد؟ بل: لماذا ما زلنا نقبل باستمرارها رغم إدراكنا لآثارها؟ فكل عادة اجتماعية تستمد قوتها من قبول المجتمع لها، وإذا تغيَّر هذا القبول تغيَّرت العادة نفسها. والتاريخ الاجتماعي للمجتمعات يؤكد أن كثيرًا من الأعراف التي كانت تبدو راسخة لا يمكن المساس بها، تراجعت واختفت عندما أدرك الناس أن كلفتها أصبحت أكبر من منافعها.
إن المجتمع العُماني عُرف عبر تاريخه بالاعتدال والبساطة والتكافل، وهي قيم أسهمت في تماسكه واستقراره. ومن الوفاء لهذه القيم أن تُراجع العادات التي أصبحت تثقل كاهل الشباب وتؤخر بناء الأسر، وأن يُعاد الاعتبار إلى جوهر الزواج باعتباره مشروع حياة لا مشروع مناسبة عابرة. فالحفل ينتهي في ليلة، أما آثار الديون والالتزامات فقد تمتد سنوات طويلة، وقد تبدأ الحياة الزوجية بفرحة قصيرة، لكنها تُستكمل بأعباء ثقيلة كان يمكن تجنبها لو انتصر الوعي على العادة، والغاية على المظاهر، والمصلحة على المجاراة الاجتماعية.
