عائض الأحمد
إذا افترقت الأجساد، غابت الأرواح. وبين الفراق والغياب، حكايةُ رجلٍ أعمى؛ لم يكن يعجز عن رؤية الوجوه، بل عن رؤية ما كانت تُخفيه حقيقةُ أقداره.
كان يسير وحيدًا، يعرف مصيره، ويعرف أين سينتهي به الطريق، حتى استوقفته روحٌ لم يرها بعينيه، لكنه أبصرها بقلبه. ظنَّها موعدًا للحياة، فإذا بها آخر دروس القدر؛ فمنذ تلك اللحظة، لم يعد الأعمى من فقد بصره، بل من لم يُحسن قراءة ما خبَّأته له الأيام.
عثرةٌ بعد عثرة، وسقوطٌ بعد سقوط، ولم يكن يرى في كل ذلك إلا ذلك الحلم الذي أيقظه من متعة صباه إلى مناجاة الليل؛ يعيش حلمه يقظةً لا منامًا، لا يثنيه ألم، ولا يردعه انكسار، ولا يصرفه عن المضي إليه شيء.
وكأن ذلك نهجٌ سرمديٌّ؛ لم تُغيِّره الأحداث، ولم تُطفئ جذوته الخيبات. ظل يدور بين أملٍ وحلمٍ وأمنيات، لم تُغِبْها شمسٌ، ولم يحُل دونها قمر، وكأن روحه اختارت أن تعيش في السماء، بينما ظل جسدُه يسير على الأرض، يحمل قلبًا أحبَّ حتى غدا البصر فيه أقلَّ شأنًا من البصيرة.
لها: همسي أصبح صراخًا داخليًا، تضيق به أنفاسي، وتتقطع له أوصالي كلما نظرتُ إلى حيث أقف الآن. ينتابني شعورٌ أقذفُ فيه الزمنَ بأقسى الكلمات، ثم لا أبرأ من ذلك، حتى أُفجع بما يأتيني به، وكأنه يتلذذ بإسقاطي بين مطرقة اختياري وحاجتي إليها.
شيءٌ من ذاته: توالي الأحداث لا يعني مرورها بسلام، فكم من نفسٍ تراها مطمئنةً لا يعلوها كدر، وهي متشبثةٌ بحبلٍ ذائبٍ، لا ينتظر إلا الانقطاع.
نقد: لماذا تفعل هذا وأنت تعلم نهايته؟
فيرد: لعلَّ علمي بالنهاية يشفع لي.
