بدر بن خميس الظفري
@waladjameel
توحي كلمة الانتقام إلى القارئ بأنها ذلك السلوك العدواني السيئ العنيف غير المقبول الذي يسيطر على الإنسان، ويرتكب من خلاله أنواع التعذيب الجسدي والنفسي لمن ينتقم منه. إلا أن هذه النظرة القاصرة للانتقام تَنْسِفُها دراسات علمية، وأبحاث نفسية، وشواهد تاريخية.
لقد دأبت الفلسفة الحديثة، متأثرة بمركزية الدولة ونفعيتها، على اختزال مفهوم الانتقام في مساحات الحقد والسادية، محولةً إياه إلى خطيئة نفسية محضة. بيد أن استقراء التاريخ الأخلاقي للبشرية يكشف عن وجه آخر؛ فقد كان هذا الفعل، لقرون طويلة، حارسًا للكرامة، وأداة لاستعادة العدالة، ووسيلة لإعادة التوازن الأخلاقي داخل الجماعات الإنسانية.
تأخذنا الباحثة "ماريا سيبيلّا لوتر" في دراستها المعنونة (عن الانتقام: الوجه الآخر للمغفرة) نحو أفق رحب يتجاوز النظرة السطحية السائدة. تبين لوتر أن ثقافات الشرف القديمة ترى في الانتقام الوسيلة الوحيدة لاسترداد التوازن الأخلاقي المهدور. حتى قانون "العين بالعين" الشهير، وُضع ليكون كابحًا للعنف، وحدًّا يمنع تغول الخصوم وتجاوز العقوبة لحدود الجرم الأصلي، وليس دعوة مشرعة للعنف. ومع صعود الدولة الحديثة، واحتكارها لسلطة العقاب، تم تهميش الانتقام الفردي، واعتُبر فعلًا لا أخلاقيًّا. ولكن عند تدبر هذا السلوك، يتضح أنه يمثل في جوهره شكلًا من أشكال التواصل الأخلاقي الرفيع، فهو رسالة مدوية يطلقها الوجدان الإنساني، معلنةً أن ظلمًا فادحًا قد وقع، ولا يجوز أن يمر بغير حساب. وهنا تتراجع قيمة التسامح لتكون في المرتبة الثانية، إذ إن إعلاء التسامح في كل سياق، دون النظر إلى رد الحقوق، قد ينتهي إلى شرعنة الظلم وإهدار الكرامة.
هذا التحليل الفلسفي يجد صدى عميقًا في بنية الإنسان البيولوجية والنفسية، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن الكائن البشري مدفوع بطبيعته لمعاقبة الظالم، حتى لو كان هذا العقاب يكلفه جهدًا ولا يعود عليه بأي منفعة مباشرة. وقد كشف تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي عن نشاط ملحوظ في مراكز المكافأة عند معاقبة الظالمين. هذا التفاعل العصبي يؤكد أن الرغبة في القصاص متجذرة في النفس البشرية، وليست مجرد سعي وراء لذة التشفي السادية.
وإذا ما تفحصنا التراث الأدبي العربي، نجد أن الثأر في الشعر الجاهلي كان بمثابة القانون الاجتماعي الأسمى قبل تشكل مفهوم الدولة المعاصرة. كان طلب الدم هناك ذودًا عن حياض الكرامة، وحفظًا لمكانة القبيلة في بيئة صحراوية لا ترحم الضعيف، ولم يكن مجرد عشقٍ للقتل. كان الشاعر ينفث في قومه روح الأنفة ليحثهم على استعادة شرفهم المسلوب، كما نلمس في عبارات المهلهل بن ربيعة حين قال بعد مقتل أخيه كليب:
أقولُ لتغلبٍ وَالعزُّ فيها **** أثيروها لذلكمُ انتصارُ
تتابعَ إخوتي وَمضوا لأمرٍ *** عليهِ تتابعَ القومُ الحسارُ
وَلستُ بخالعٍ درعي وَسيفي **** إلى أنْ يخلعَ الليلَ النهارُ
وقد جاء الإسلام ليتعامل مع هذه البنية المتجذرة في النفس البشرية بنوع من التهذيب والتشريع، ففرّق بوضوح بين الثأر العشوائي القائم على العصبية، وبين القصاص العادل، والانتقام بمفهومه المطلق. والإسلام لم يُلغِ رغبة الإنسان في رد المظلمة، بل نقلها من الفوضى الفردية إلى ضبط القضاء العادل، حمايةً للمجتمع وتأكيدًا على قيمة الحياة ذاتها؛ إذ يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إن العفو في الرؤية القرآنية يظل فضيلة سامية، لكنه فضيلة لا تولد إلا من رحم القدرة وثبوت الحق، فلا يكون العفو حقيقيًا إلا إذا كان خيارًا يملكه المظلوم بعد أن يكون قادرًا على أخذ حقه، وليس عجزًا يلبس ثوب التسامح.
يلتقي هذا الفهم مع الأفكار التي طرحها كبار الفلاسفة عبر التاريخ. فبينما وصف الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون الانتقام بأنه "عدالة برية" تحتاج إلى القانون ليهذبها، ووضع عالم الرياضيات الإنجليزي توماس هوبز أفكاره حول ضرورة تنازل الأفراد عن هذا الحق لصالح الدولة القوية المستبدة (اللوياثان)، ذهب هيغل ونيتشه مذهبًا أكثر عمقًا في ربط هذه المشاعر بالكرامة الإنسانية واعتراف الآخر بالذات. وتتقاطع دراسة لوتر مع هؤلاء في كون الانتقام يمثل محاولة النفس أن تعيد ميزان العالم إلى وضعه الأول، لكنها تختلف عنهم في رفضها القاطع لاعتبار الدولة الحديثة قد طهرت النفس البشرية تمامًا من هذا الاحتياج الأخلاقي؛ فالانتقام يظل، في كثير من الأحيان، بمثابة الوسيلة الأخيرة للمظلوم حين يعجز القانون عن أخذ حقه.
إن القوانين الوضعية لا تعاقب على خيانة الحبيب، أو خذلان الصديق، أو الجفاء العاطفي الذي يصيب المظلوم بمقتل، وهنا تحديدًا يأتي دور الانتقام الاجتماعي والنفسي كأداة تعويضية لملء الفراغ التشريعي؛ فهو الوسيلة الأخيرة المتاحة لإعادة القيمة الذاتية التي هُدرت. من حق المظلوم، إنسانيًا، أن يسترد اعتباره بالطريقة الاجتماعية والنفسية التي تشفي صدره، وتذهب غيظ قلبه، وإلا حُكم عليه أن يعيش مقهورًا، ويموت في اليوم ألف مرة.
