الأمريكيون بين "أمريكا أولًا" أو "إسرائيل أولًا"

 

 

فوزي عمار

 

في مشهد يعكس تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية، فجّر الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانه رسميًا انشقاقه عن الحزب الجمهوري، بعد أن كان أحد أبرز الأصوات الداعمة له لنحو 3 عقود.

جاء هذا الإعلان خلال حلقة من بودكاست "كانت بي سينسورد (بلا رقابة)"، ليطرح سؤالًا مصيريًا على الساحة السياسية الأمريكية: هل تضع واشنطن مصالح إسرائيل فوق مصالح شعبها؟

لم يكن قرار كارلسون وليد اللحظة، بل تتويجًا لمسيرة تحول بدأت مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026. قال كارلسون في إعلانه: "لا توجد فرصة لدعم الحزب الجمهوري، ولن أدعم الحزب الديمقراطي، لا أعرف ماذا سأفعل". لكنه كان واضحًا في رسالته الأساسية: "كيف يمكنني، أو أي ناخب أمريكي، أن يدعم حزبًا سياسيًا غير مخلص للولايات المتحدة، يضع مصالح دولة أجنبية فوق مصالح مواطنيه؟".

واتهم كارلسون الرئيس ترامب بأنه عبد للمصالح الأجنبية ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفًا إسرائيل بأنها عبء استراتيجي، وداعيًا الولايات المتحدة إلى الانفصال عن إسرائيل. وذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن حملة ترامب الانتخابية عام 2024 مُوّلت إلى حد كبير من قبل أشخاص مخلصين لإسرائيل.

كشفت الحرب الأخيرة على إيران، التي استمرت 40 يومًا، أن الأمريكيين ليسوا متوحدين كما جرت العادة في الحروب الخارجية، بل كشفت شرخًا عميقًا داخل تيار ماجا (MAGA) نفسه. فاستطلاع أجرته شبكة "سي. إن. إن" أظهر أن 59% من الأمريكيين يرفضون قرار الحرب، فيما وافق عليه 77% من الجمهوريين.

إذن.. تواجه حركة "اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى" انقسامًا غير مسبوق. فبينما يرى معسكر أن الرئيس ترامب تصرف بحزم في مواجهة عدو قديم، يشعر آخرون بأنه خانهم وتراجع عن وعوده الانتخابية. وكتبت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، التي كانت من أشد المدافعين عن ترامب، معلقة على أنباء مقتل طلاب في إيران: "ما الذي تفعلونه بحق الجحيم؟ لم نصوت لهذا".

وأشار تقرير لـ "دويتشه فيله" إلى أن هذه الرؤى المتضاربة تحولت إلى جدال محتدم يعكس توترًا غير مسبوق داخل الحركة، مما يهدد بانشقاق عميق في القاعدة الانتخابية لترامب قبيل الانتخابات التشريعية النصفية. ووفقًا لاستطلاع "سي. إن. إن"، انخفضت نسبة الجمهوريين الذين يعتقدون أن تصرفات إسرائيل مبررة بالكامل من 68% عام 2023 إلى 52%.

على الرغم من أن كارلسون لم يكن قائدًا لحركة الاحتجاجات الطلابية، إلا أن الموجة العارمة من التظاهرات في جامعات النخبة الأمريكية ضد الحرب الإسرائيلية على غزة (وكنت قد كتبت مقالًا عندها بعنوان: هل تحرر غزة أمريكا.. نهاية التاريخ الفاضح؟)، وفّرت هذه المظاهرات خلفية رأي عام أوسع لانتقاداته.

ففي جامعة كولومبيا بنيويورك، أُلغيت المحاضرات، وتواصلت الاحتجاجات في جامعات مرموقة عبر البلاد. ودعا الطلاب إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة، وإنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وسحب الاستثمارات. وقد أُوقف أكثر من 2300 شخص في الاحتجاجات الجامعية على مستوى البلاد.

كارلسون ليس شخصًا واحدًا؛ بل قد يكون الشرارة. لقد كتب إعلانه برسالة تحذيرية: "لا يوجد دفاع عن هذا، لأنه غير أخلاقي، لذا أنا خارج". "وإذا كنت أنا خارجًا، فأعتقد أن الكثير من الآخرين سيكونون خارجًا".

في المشهد السياسي الأمريكي اليوم، لم تعد المعركة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل بين رؤيتين داخل اليمين المحافظ نفسه: "أمريكا أولًا" التي تعني التركيز على الداخل وتجنب حروب الشرق الأوسط، و"إسرائيل أولًا" التي تعني التزامًا غير مشروط بحماية إسرائيل.

والسؤال الذي يطرحه كارلسون وغيره: هل سينتصر شعار "أمريكا أولًا" في نهاية المطاف، أم أن التحالفات القديمة والضغوط الخارجية ستستمر في توجيه السياسة الأمريكية لعقود قادمة؟

الأكثر قراءة

z