سالم البادي (أبو معن)
أكثر من سبعة عقود من السياسة الأمريكية السيئة في الشرق الأوسط كانت كفيلة بإعادة رسم حدود القوة، وتأجيج الحروب، وصناعة الفراغ السياسي.
فمنذ خمسينيات القرن العشرين وحتى اليوم، ارتكب رؤساء أمريكيون بارزون أخطاءً استراتيجية قاتلة تجاه قضايا المنطقة تحت مبررات حماية الأمن القومي والمصالح الحيوية. إليكم رصدًا تاريخيًا ومزمنًا لأسوأ القرارات الرئاسية الأمريكية التي عصفت بالشرق الأوسط، وكيف تحولت من وعود بالاستقرار إلى كوارث ممتدة الأثر.
أسوأ القرارات مرتبة زمنيًا:
هاري ترومان (1948)
الاعتراف الفوري والسريع بدولة إسرائيل بعد دقائق من إعلانها، مما منح غطاءً دوليًا تسبب في شرعنة "النكبة الفلسطينية" وتشريد الملايين دون مراعاة لحقوق السكان الأصليين.
دوايت أيزنهاور (1953)
التخطيط لـ "عملية أياكس" والإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق لإعادة الشاه، مما زرع بذور العداء طويل الأمد مع إيران.
تسبب هذا التدخل السافر في خلق حالة احتقان شعبي وجرح تاريخي غائر لدى الشعب الإيراني ضد "الشيطان الأكبر" (اللقب الذي أُطلق لاحقًا على أمريكا).
هذا الاحتقان انفجر بعد 26 عامًا في الثورة الإسلامية عام 1979، التي أطاحت بالشاه وتحولت إيران بموجبها إلى ألدّ أعداء الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لينتج عن هذا القرار صراع إقليمي ممتد لا تزال منطقة الشرق الأوسط تدفع أثمانه الباهظة حتى يومنا هذا.
دوايت أيزنهاور (1958)
إرسال 14,000 جندي من المارينز لغزو الشواطئ اللبنانية لدعم الرئيس كميل شمعون ضد المعارضة القومية العربية، وهو ما مثل بداية التدخل العسكري الأمريكي المباشر في الشؤون السياسية اللبنانية الداخلية.
ليندون جونسون (1967)
منح غطاءً سياسيًا وعسكريًا كاملًا لإسرائيل في حرب النكسة، وتبني روايتها في مجلس الأمن، مما مهد لتكريس احتلال الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس الشرقية بشكل مستدام.
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
أسس هذا القرار لسياسة "التحيز العسكري المطلق" لإسرائيل، وجعل من واشنطن طرفًا غير محايد في نظر الشعوب العربية.
هذا الانحياز عمّق حالة عدم الاستقرار، وفتح الباب لسباق تسلح إقليمي محموم، وحوّل القضية الفلسطينية إلى جرح نازف غذّى عقودًا من الحروب والانتفاضات اللاحقة.
جيمي كارتر (1979): إشعال أزمة الرهائن
السماح للشاه المخلوع بدخول الأراضي الأمريكية لتلقي العلاج الطبي، رغم التحذيرات الأمنية الصارمة من أن هذه الخطوة ستفجر الأوضاع في طهران.
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
هذا القرار شرعن ووفر غطاءً ماليًا ولوجستيًا لشبكات التطرف العابر للحدود، التي تحولت لاحقًا إلى تنظيمات إرهابية مثل "القاعدة" و"طالبان".
حصدت المنطقة (والعالم) نتائج هذا القرار عبر عقود من الإرهاب، والحروب الأهلية، والتدخلات العسكرية المباشرة التي دمرت نسيج مجتمعات كاملة.
رونالد ريجان (1980 - 1988)
دعم نظام صدام حسين عسكريًا واستخباراتيًا في الحرب العراقية الإيرانية، مما عمّق عداء إيران وجعلها تتبنى استراتيجية "الدفاع الهجومي" وتأسيس أذرع وميليشيات إقليمية لحمايتها مستقبلًا.
رونالد ريجان (1982 - 1983)
منح الضوء الأخضر الضمني لإسرائيل لغزو لبنان عام 1982 ومحاصرة بيروت لطرد منظمة التحرير الفلسطينية، مما مهد للمجازر الدموية في مخيمي "صبرا وشاتيلا".
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
كرّس قرار ريجان فكرة أن واشنطن يمكنها التعامل مع الأنظمة الإقليمية من تحت الطاولة رغم شعاراتها المعلنة.
كما ترك انسحابها المرتبك من لبنان فراغًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، ساهم بشكل مباشر في صعود وتغوّل فصائل مسلحة غير نظامية (وعلى رأسها حزب الله) أصبحت لاحقًا لاعبًا إقليميًا يعيد صياغة معادلات النفوذ في المنطقة.
جورج بوش الأب (1990)
عقد "صفقة غض الطرف" التي منحت بموجبها واشنطن الضوء الأخضر للرئيس السوري حافظ الأسد لبسط سيطرته العسكرية المطلقة على لبنان وإنهاء الحرب الأهلية بشروطه، مقابل مشاركة القوات السورية الرمزية في حرب الخليج الثانية ضد صدام حسين.
جورج بوش الأب (1991)
حصار العراق وإهمال حل القضية الفلسطينية بعد حرب الخليج. عقب نجاح التحالف الدولي بقيادة الرئيس جورج بوش الأب في إخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991، اتخذت إدارته قرارات شكلت مأساة إنسانية وسياسية طويلة الأمد.
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
عاقب هذا القرار الشعب العراقي بدلًا من نظامه الحاكم، وخلّف بيئة من الفقر والجهل والغبن الاجتماعي داخل العراق، أصبحت لاحقًا أرضًا خصبة للتطرف الديني والتمرد بعد عام 2003.
كما أن عدم استغلال واشنطن لزخم نصرها العسكري لفرض حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية عمّق مشاعر الإحباط والعداء للسياسات الأمريكية في الشارع العربي.
بيل كلينتون (1993 - 2000)
رعاية "اتفاقيات أوسلو" دون الضغط لوقف الاستيطان الإسرائيلي، والتهاون في قضايا الوضع النهائي (القدس واللاجئين)، مما أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية وانهيار مسار السلام.
بيل كلينتون (2000)
تحميل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات منفردًا مسؤولية فشل "قمة كامب ديفيد الثانية"، والتغاضي التام عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي الشرس، مما فجر الانتفاضة الثانية.
جورج بوش الابن (2001)
غياب الهدف والالتفات للعراق.
رفض استسلام طالبان (2001)
بعد أسابيع من الغزو، عرضت قيادة طالبان الاستسلام مقابل العفو والسماح لهم بالعيش بسلام، لكن إدارة بوش رفضت العرض رغبة في القضاء التام عليهم، مما دفع الحركة للجوء إلى الجبال وبدء حرب عصابات طويلة الأمد.
جورج بوش الابن (2002)
إدراج إيران فيما سماه "محور الشر" في خطابه الشهير، وجاء هذا القرار مباشرة بعد أن قدمت إيران مساعدة استخباراتية ولوجستية قيمة لأمريكا في حربها ضد طالبان بالقرب من حدودها، مما أحبط تيار الإصلاحيين الإيرانيين ودفع طهران لتسريع برنامجها النووي سرًّا لحماية نفسها من الغزو.
جورج بوش الابن (2003)
غزو العراق والإطاحة بنظامه بناءً على مبررات كاذبة (امتلاك أسلحة دمار شامل)، وحل الجيش العراقي، مما فجر حربًا أهلية، وفتح الباب للنفوذ الإيراني، ومهد لظهور تنظيم داعش.
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
قضى هذا القرار على "حارس البوابة الشرقية" للعالم العربي، وقدم العراق على طبق من ذهب للنفوذ الإيراني الذي تغلغل في مفاصل الدولة العراقية.
والأخطر من ذلك أن عشرات الآلاف من الجنود والضباط العراقيين المسرّحين والناقمين وجدوا أنفسهم بلا عمل، مما جعلهم النواة الصلبة التي أسست وقادت أخطر التنظيمات الإرهابية في التاريخ الحديث، وعلى رأسها تنظيم "داعش" الذي عاث دمارًا في العراق وسوريا إلى يومنا هذا.
جورج بوش الابن (2006)
المماطلة العمدية والرفض المتكرر للضغط من أجل وقف إطلاق النار صيف عام 2006 (حرب تموز)، لمنح إسرائيل وقتًا إضافيًا لتدمير البنية التحتية اللبنانية، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين الأبرياء، وفشل في تحقيق أي هدف استراتيجي لأمريكا.
باراك أوباما (2011 - 2015)
"الخطوط الحمراء" الوهمية والانسحاب العشوائي.
رغم رفعه شعار "التغيير" ومحاولة النأي بنفسه عن إرث بوش، ارتكب الرئيس باراك أوباما أخطاءً استراتيجية نتيجة التردد والانسحاب العشوائي.
النتيجة الكارثية:
ترك الانسحاب من العراق فراغًا أمنيًا هائلًا سمح لـ"داعش" باحتلال ثلث مساحة البلاد عام 2014.
وفي سوريا، فتح التراجع الأمريكي الباب على مصراعيه للتدخل العسكري الروسي والإيراني المباشر لتثبيت النظام، مما أدى إلى تفاقم أضخم مأساة إنسانية ولجوء في القرن الحالي.
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
أفقد هذا التردد الولايات المتحدة مصداقيتها كحليف دولي، وأثبت لقوى إقليمية ودولية (مثل روسيا وإيران) أن واشنطن تفتقر للرغبة في المواجهة.
هذا الفراغ حوّل سوريا إلى ساحة صراع دولي مفتوح، وأدى إلى تمدد الميليشيات الطائفية، وتدمير البنى التحتية، وتحول الملايين من سكان المنطقة إلى لاجئين.
باراك أوباما (2011 - 2013)
التدخل العسكري في ليبيا وإسقاط نظام القذافي دون خطة لإعادة الإعمار، مما ترك البلاد في فوضى عارمة، يضاف إليه التراجع عن "الخط الأحمر" في سوريا عام 2013 بعد استخدام الكيماوي، مما عمّق المأساة السورية.
باراك أوباما (2016)
توقيع أكبر حزمة مساعدات عسكرية في تاريخ أمريكا لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار ممتدة لـ10 سنوات دون أي شروط سياسية تحمي الفلسطينيين، مما مكّن إسرائيل من قمع تطلعات الدولة الفلسطينية والتهام مزيد من الأراضي.
دونالد ترامب (2017 - 2020)
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وقطع تمويل وكالة "الأونروا" لإغاثة اللاجئين، ثم صياغة "صفقة القرن" التي سعت لتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا وتحويل المدن الفلسطينية إلى كانتونات معزولة.
النتيجة الكارثية:
قوضت هذه القرارات حل الدولتين ونسفت دور واشنطن التاريخي كـ"وسيط نزيه" في عملية السلام.
وفي الملف الإيراني، لم تؤد العقوبات إلى انهيار النظام، بل دفعت طهران نحو تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم بنسب غير مسبوقة وزيادة عدوانية ميليشياتها في المنطقة.
لماذا يُعد من أسوأ القرارات؟
عزل هذا القرار الولايات المتحدة دوليًا، وتسبب في تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مما عمّق مشاعر الغضب واليأس وصنع بيئة مواتية لانفجارات عسكرية لاحقة وعنيفة في الأراضي المحتلة.
كما أن غياب البديل الدبلوماسي بعد الانسحاب من الاتفاق النووي جعل المنطقة تعيش فوق صفيح ساخن، وتحت رحمة مواجهات بحرية وجوية مستمرة بين إيران وحلفاء واشنطن، دون أي أفق للاستقرار.
دونالد ترامب (2018 - 2020)
الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي وفرض سياسة "الضغوط القصوى"، يليه قرار اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020.
أدت هذه القرارات إلى نتيجة عكسية تمامًا؛ حيث تخلت إيران عن قيود الاتفاق ورفعت تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قياسية تقترب من صنع قنبلة، واشتعلت بسببه مواجهات عسكرية مباشرة وحرب مفتوحة في المنطقة.
دونالد ترامب (2019)
القرار المفاجئ والمتسرع بسحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا عبر "تغريدة على تويتر"، متخليًا بشكل مفاجئ عن الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية) الذين كانوا الحليف الأساسي لأمريكا في الحرب ضد داعش، مما سمح لتركيا والنظام السوري وروسيا بالتقدم الفوري لملء الفراغ، وأضر بمصداقية أمريكا أمام حلفائها في المنطقة.
جو بايدن (2021 - 2024)
الفشل في كبح التصعيد الاستيطاني والحصار قبل أكتوبر 2023، ثم تقديم الدعم العسكري والسياسي المطلق وبلا شروط لإسرائيل في حرب غزة، واستخدام الفيتو المتكرر ضد وقف إطلاق النار، مما أضر بصورة أمريكا دوليًا وفجر جبهات صراع إقليمية متعددة.
جو بايدن (2023)
الدعم العسكري المطلق والتمويل الفوري بلا شروط لإسرائيل خلال حرب غزة، مع استخدام حق النقض "الفيتو" مرارًا لإجهاض قرارات وقف إطلاق النار بمجلس الأمن، مما وفر مظلة لأكبر كارثة إنسانية وإبادة جماعية في التاريخ الفلسطيني الحديث، وعزل أمريكا دوليًا.
حرب صيف 2025: "حرب الـ12 يومًا"
أعطت أمريكا الضوء الأخضر لتشن إسرائيل هجومًا مفاجئًا على إيران أطلقت عليه اسم (عملية الأسد المرتد)، استهدف المنشآت النووية والدفاعات الجوية ومواقع الصواريخ الباليستية الإيرانية.
جولة فبراير 2026: الانفجار الشامل ومقتل المرشد
بدأت في 28 فبراير 2026.
بعد انهيار المفاوضات غير المباشرة وفشل الهدنة المؤقتة التي صيغت صيف 2025، انتقل التحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى استراتيجية "قطع الرأس".
أطلقت واشنطن وإسرائيل (عملية الغضب الملحمي)، ووجهتا ضربة قاصمة للمربع الأمني في طهران، مما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وتولي نجله مجتبى الحكم.
حصار وتورط الخليج وإغلاق المضيق
هذه الجولة الثانية (التي تلت جولة صيف 2025) هي التي شهدت السيناريو الأطول والأعنف؛ حيث ردت طهران بإغلاق مضيق هرمز بالكامل لعدة أشهر، مما تسبب في شلل الصادرات النفطية الخليجية، وجنون أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري على مستوى العالم الذي عشناه في ربيع هذا العام.
جبهة مايو 2026: معركة الخليج وتصعيد جبهة لبنان
شنت الولايات المتحدة ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة للحرس الثوري في مياه الخليج.
جاء ذلك ردًّا على استمرار الحصار الإيراني لمضيق هرمز واستهداف ناقلات النفط.
توسيع العمليات في لبنان
كثف الجيش الإسرائيلي غاراته على معاقل حزب الله وتوغلت قواته في جنوب لبنان (مثل العودة إلى قلعة الشقيف)، في محاولة لفصل الجبهة اللبنانية عن المسار الإيراني.
وردًّا على ذلك، وُثِّقت هجمات مكثفة بمسيّرات انتحارية أطلقها حزب الله نحو شمال إسرائيل.
"سبعة عقود وثمانية رؤساء، اختلفت الأحزاب الحاكمة في واشنطن، وظل الشرق الأوسط يدفع فاتورة التجارب والأخطاء الاستراتيجية للبيت الأبيض.
من الانقلابات السرية في الخمسينيات، مرورًا بالحروب بالوكالة والغزوات المباشرة، وصولًا إلى الانحياز الدبلوماسي الكامل، أثبتت السير التاريخية أن "أسوأ القرارات" الأمريكية كانت تصدر دائمًا من زاوية الرؤية القاصرة التي تقدم المصالح الانتخابية الضيقة وحسابات القوة على حساب دماء واستقرار شعوب المنطقة.
واليوم، لا تزال جراح الشرق الأوسط النازفة شاهدة على أن القرارات التي تُتخذ في واشنطن لعدة دقائق، قد تمتد آثارها الكارثية لأجيال وأجيال".
