د. سهام بنت أحمد الحارثية
حملت التوجيهات السامية الأخيرة المتعلقة بتعزيز مشاركة المرأة في مجلس الشورى رسالة تتجاوز حدود الانتخابات أو التمثيل العددي؛ فهي تعكس رؤية وطنية واضحة تؤمن بأن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة جميع الكفاءات الوطنية في صناعة القرار.
والحقيقة أن أهمية هذه التوجيهات لا تكمن فقط في زيادة حضور المرأة في المؤسسات المنتخبة، بل في ترسيخ مبدأ أعمق، وهو أن الكفاءة والقدرة على العطاء يجب أن تكونا المعيار الأساسي للمشاركة في الشأن العام.
لقد أثبتت المرأة العُمانية خلال العقود الماضية حضورها في مختلف المجالات، تولت مواقع قيادية في الحكومة والقطاع الخاص، وأسهمت في بناء مؤسسات وطنية ناجحة، وشاركت في رسم السياسات وصناعة المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
ولذلك فإن الحديث عن تمكين المرأة لم يعد حديثًا عن فتح الأبواب أمامها، بل عن إزالة ما تبقى من عوائق قد تحد من مساهمتها الكاملة في التنمية، وإذا كانت هذه الرؤية تنطبق على مجلس الشورى، فإنها تنطبق بالقدر نفسه على المؤسسات الاقتصادية ومؤسسات تمثيل القطاع الخاص، وفي مقدمتها غرفة تجارة وصناعة عُمان.
فالغرفة ليست مجرد مؤسسة إدارية، بل هي بيت القطاع الخاص وصوت المستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب المؤسسات، وعندما نتحدث عن مستقبل الغرفة، فإننا لا نتحدث فقط عن تمثيل القطاعات الاقتصادية المختلفة، بل أيضًا عن تمثيل الطاقات والكفاءات الوطنية القادرة على الإسهام في تطوير هذه المؤسسة.
إن تمكين المرأة داخل الغرفة لا ينبغي أن يقتصر على وجودها في قوائم المرشحين أو على حصولها على مقاعد في المجالس واللجان، فالتمكين الحقيقي يبدأ عندما تصبح البيئة المؤسسية نفسها داعمة للمشاركة المتكافئة.
وهنا يبرز دور اللوائح والأنظمة والإجراءات؛ فالمؤسسات الحديثة لا تعتمد على النوايا الحسنة وحدها، بل تبني مشاركتها على قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص، وتدعم بناء القيادات، وتفتح المجال أمام الكفاءات للوصول إلى مواقع التأثير وصناعة القرار.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تُمثِّل فرصة مهمة للتفكير في آليات عملية تعزز مشاركة المرأة في الغرفة؛ سواء من خلال تطوير برامج إعداد القيادات النسائية في القطاع الخاص، أو تعزيز حضور المرأة في اللجان القطاعية، أو مراجعة بعض الإجراءات التنظيمية بما يوسع قاعدة المشاركة ويضمن الاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية؛ إذ إن المطلوب ليس تخصيص مواقع أو منح امتيازات، المطلوب هو بناء منظومة مؤسسية تجعل الطريق إلى المشاركة والقيادة مفتوحًا أمام الجميع وفق معايير الكفاءة والقدرة والعطاء، فالمؤسسات الأقوى ليست تلك التي تستبعد نصف طاقاتها، بل تلك التي تستثمر في جميع طاقاتها، والاقتصادات الأكثر نجاحًا ليست التي تكتفي بتمثيل المرأة شكليًا، بل التي تستفيد فعليًا من خبراتها ورؤاها وقدراتها في صنع السياسات واتخاذ القرارات.
لقد أثبتت التجربة العُمانية أن المرأة عندما تُمنح الفرصة تثبت جدارتها واليوم، ومع التوجيهات السامية التي تؤكد أهمية توسيع مشاركتها في مجلس الشورى، تبرز فرصة مماثلة أمام مؤسسات القطاع الخاص لتطوير آلياتها وتعزيز مساهمة المرأة فيها بصورة أكثر فاعلية واستدامة.
إنَّ تمكين المرأة ليس هدفًا مستقلًا، وإنما هو جزء من مشروع أكبر؛ مشروع بناء مؤسسات أكثر تنوعًا، وأكثر تمثيلًا، وأكثر قدرة على الاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية وعندما يتحقق ذلك، فإن المستفيد الحقيقي لن يكون المرأة وحدها، بل الوطن بأكمله.
