الحب والزواج.. الوهم والحقيقة

 

 

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

 

عند الوقوع في الحب، قد تطغى المشاعر على التفكير، فتصبح التصورات الذهنية عن المحبوب أو المحبوبة حاضرة في الذهن كما يتخيلها المحب، لا كما هي في الواقع.

وكثير من الحالات تكون وهمًا، أكثر من كونها حبًا حقيقيًا؛ لأنها تقوم على التعلق بتصور ذهني ينسجه الخيال عن الحبيب، ويمنحه من الصفات والأمنيات ما يشاء. ويندفع الشاب إلى الزواج؛ لأنه يعتقد أنه مغرم، وقد استحوذت الفتاة على مشاعره، وأن اقترانه بمحبوبته سيكون أفضل ما قد يحدث له في حياته، وكذلك الفتاة إذا كانت تعيش نفس مشاعر المخاتلة.

والحب شعور إنساني جميل، ولكنه يحتاج إلى قدر من التعقل والتروي والتأكد من الحقائق، قبل الاندفاع إلى الإقدام على خطوة الزواج. وقد يكون الحب ليس إلا غشاوة على العين وحجابًا على البصيرة، وليس حقيقة كما هو الزواج عندما يكون مُتحقِّقًا؛ فالحب شيء والزواج شيء آخر، وقد يتلاشى الحب أو يضعف أو ينطوي إلى أعماق الذات، فلا يبقى له أثر واضح؛ وذلك بفعل ما تفرضه الحياة من ظروف ومسؤوليات، أو حتى بسبب الاعتياد وما قد يصاحبه أحيانًا من ملل، وقد تؤدي الحياة المشتركة والتفاعل اليومي المتواصل إلى المشكلات والخلافات والمشاحنات، فيتحول الحب ويتبدل.

وكثير من حالات الحب والإعجاب تنشأ بمشاعر مُرهفة، ثم يكتشف أصحابها لاحقًا أن الواقع مختلف تمامًا عمَّا رسموه في مخيلتهم، وقد أخطأوا الحسبة، فلا يستطيعون التعايش في الزواج، فيحدث الانفصال، مما يزيد من نسبة الطلاق والتفكك الأسري في المجتمع؛ فالحب وحده لا يكفي ليكون مؤشرًا كافيًا لاتخاذ قرار الزواج وتنفيذه؛ فالتريث مطلوب قبل الإقدام على هذه الخطوة المهمة في مسار الحياة.

ومن العوامل التي تسهم في الاختيار الناجح للزواج التعرف على الفتاة عن قرب، وفهم طبائعها ونفسيتها وأسلوب حياتها وظروفها الأسرية والوسط المحيط، حتى تكون هناك قناعة واقعية مطمئنة بالارتباط بعيدًا عن الندم، وعندئذ تكون خطوة الزواج أقرب إلى التوفيق والاستمرار والبركة.

وكذلك الفتاة تتأكد من طالب الزواج منها وتتعرف عليه جيدًا بماضيه وحاضره وما يمكن أن يكون عليه مستقبله؛ لأن الزواج عمر كامل، كما ينبغي أن يكون، وقد يؤدي الزواج إلى معاناة وألم، إذا لم يكن هناك توافق ورضا وتفاهم بين الطرفين، فالأفضل في هذه الحالة عدم الإقدام على الزواج؛ لأن ذلك يؤدي حتمًا إلى فشل العلاقة الزوجية وتفريق الشمل.

ولا يصح اختزال كيان المرأة في المظهر الجمالي وحده، فيُتخذ على أساسه قرار الزواج.

والقصة التالية التي كتبتها بعنوان "حب واهم"، لتتماشى مع سياق هذا المقال، لتقديم عبرة سردية متخيلة تقترب من ذهنية القارئ، وتُجسِّد الفكرة وتبرز المعنى عبر الأسلوب الأدبي القصصي المشوق، وتوضح القصة كيف يمكن لمشاعر الحب إذا اجتاحت الإنسان أن تصنع له عالمًا مُتخيَّلًا غير واقعي، يندفع به نحو مسار الزواج ثم تصدمه الحقيقة.

والقصة عن شاب يقيم في مبنى سكني، وفي الجهة المقابلة منه مبنى سكني آخر، وبإحدى شرفاته تقف فتاة جميلة، وقعت عينه عليها مصادفة، فلفتت انتباهه، ثم لم يستطع أن يصرف نظره عنها لجمالها، وخالجه إحساس لم يشعر به من قبل بما يُعرف بـ"حب من أول نظرة"، خافقًا قلبه لها. وكانت نظرتها الثابتة باتجاه شرفته توحي بأنها تناظره وتترقب خروجه من شرفته ليراها في توقيت معين كل يوم. وهي دائمًا ما تكون هناك في الانتظار؛ فاستطاعت أن تشغل تفكيره وتستحوذ على اهتمامه. وأصبحت رؤيتها جزءًا من برنامجه اليومي. وترسخ في ذهنيته بأنها تخرج إلى الشرفة كل يوم في هذا التوقيت الذي يخرج هو فيه فقط لتراه، وبأنه لا شك بينهما حب متبادل تسرب إلى قلبيهما معًا.

ومع الوقت ازداد تعلُّقه بها، وأخذ ينسج أحلامًا لهما، وتخيلها زوجة له تشاركه تفاصيل حياته وتملأ دنياه دفئًا وحنانًا، ومن أنه لديه منها أبناء، وحتى إنه أطلق على هؤلاء الأبناء أسماء يناديهم بها، وهم يركضون ويلعبون في أرجاء المكان، ورسم لهم كأسرة مستقبلًا جميلًا معًا، يعيشون فيه بسعادة وهناء.

وفي أحد الأيام بينما كان في الشرفة، لم يكتف بالنظر إليها وهي تنظر إليه، فاتخذ الخطوة الأولى، فرفع يده مسلمًا عليها مبتسمًا، وانتظر رد التحية منها، ولكنها لم ترد، فشعر بشيء من الحزن والخيبة، ودخل إلى غرفته مغلقًا باب شرفته، ثم حاول أن يلتمس لها الأعذار، فربما الخجل منعها من الرد، أو لعلها لم تنتبه لحركة يده المُرحِّبة.

وقرر بدلًا من الانتظار والعشق عن بعد، أن يحسم أمره ويذهب ليتقدم لخطبتها من أجل الزواج، وأبلغ أهله بعزمه، فبارك أهله قرار الزواج؛ لأنهم يريدون أن يروا ابنهم متزوجًا مستقرًا وينجب لهم أحفادًا يسعدون بهم. وحددوا موعدًا معه للذهاب لشقة الفتاة لخطبتها من أهلها رسميًا طالما هذا اختياره.

وحين جاء الوقت، توجه مع عائلته مرتديًا أفضل الملابس، ومتزينًا بأبهى هيئة، ومتعطرًا بأجمل العطور، وحاملًا معه باقة جميلة من الورد الأحمر إلى شقة الفتاة المراد خطبتها، وعند الوصول طرقوا الباب، ففتح لهم رجل مُسن، وأدخلهم إلى مجلس الضيوف. وبعد الترحيب بهم، أخبروه عن مقصدهم بطلب يد ابنته لابنهم الحاضر معهم.

نظر إليهم الرجل المسن باستغراب، وقال: ليس لديه ابنة، أو حتى حفيدة، وأنه يعيش بمفرده منذ سنوات، ويعيل نفسه من مهنة الخياطة.

أكد الشاب أن لديه ابنة، ويراها كل يوم في توقيت معين واقفة في الشرفة، ومع إنكار الرجل العجوز، توجه الشاب إلى الشرفة بخطوات واثقة، ورأى الفتاة من الخلف واقفة تنظر مباشرة إلى شرفته؛ فحياها لتلتفت إليه، فلم ترد، فاقترب منها حتى وقعت عينه على عينيها، فأدرك بأن محبوبته التي جاء يخطبها ليست إلا دمية تُركت في الشرفة.

ولم تكن سوى سراب، رسمها له خياله وشكلها ذهنه، وليست فتاة لها كيانها نابضة بالحياة!

الأكثر قراءة

z