د. مجدي العفيفي
(1)
في كل عام هجري جديد تعود إلينا الهجرة النبوية لا بوصفها حدثًا مضى، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا لم يُجب عنه بعد.
فالهجرة لم تكن رحلة من مكة إلى المدينة فحسب، وإنما كانت إعلانًا كونيًا بأنَّ الإنسان لا يُخلق ليُقيم في المستنقع، ولا ليعتاد القيد، ولا ليُصالح الانكسار.
ولهذا أسأل نفسي وأسائل الجميع:
(2)
متى (نهجر) عبادة الماضي؟
لا أقصد احترام الماضي أو التعلم منه، بل تحويله إلى سجن ذهبي نُقيم داخله ونمنع أنفسنا من الخروج.
لـ(نهاجر) إلى صناعة المستقبل؟
فالأمم العظيمة لا تعيش على ذكرياتها، بل على قدرتها المتجددة على الإبداع والابتكار والخلق.
لقد كان الماضي يومًا ما مستقبلًا صنعه رجال لم يكتفوا بالبكاء على ما سبقهم.
(3)
متى (نهجر) ثقافة الشكوى؟
تلك الثقافة التي تجعل الإنسان يفسر كل تعثر بالمؤامرة، وكل إخفاق بالآخر، وكل هزيمة بالظروف.
لـ(نهاجر) إلى ثقافة المسؤولية؟
حيث يصبح السؤال: ماذا أستطيع أن أفعل؟ لا: من ألوم؟
فالبناء يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن تعداد الأعذار ويبدأ في تعداد الإمكانات.
(4)
متى (نهجر) الخوف؟
الخوف من التجربة، والخوف من الخطأ، والخوف من النقد، والخوف من الجديد.
لـ(نهاجر) إلى الشجاعة؟
فكل إنجاز كبير في التاريخ بدأ بخطوة بدت مجنونة في أعين المترددين.
وما أكثر الذين خسروا أعمارهم وهم ينتظرون ضمانات لا يمنحها الله لأحد.
(5)
متى (نهجر) عقلية الاستهلاك؟
التي تجعلنا نعيش على ما ينتجه الآخرون، ونفكر بما يفكرون، ونحلم بما يريدون لنا أن نحلم به.
لـ(نهاجر) إلى عقلية الإنتاج؟
إنتاج المعرفة قبل السلع، وإنتاج الأفكار قبل الأدوات، وإنتاج الرؤية قبل التفاصيل.
فالذي لا ينتج مستقبله يستهلك مُستقبل غيره.
(6)
متى (نهجر) تقديس الأشخاص؟
فلا نرى إلا وجوهًا، ولا نسمع إلا أسماء، ولا نفكر إلا عبر وسطاء.
لـ(نهاجر) إلى تقديس المبادئ؟
فالرجال يخطئون ويصيبون، أما الحق فيبقى أكبر من الجميع.
وحين تصبح الفكرة تابعة لصاحبها تموت بموت صاحبها.
(7)
متى (نهجر) الانقسام الذي يُبدد قوانا؟
حيث تتحول الاختلافات الطبيعية إلى معارك وجودية، ويتحول التنوع إلى خصومة.
لـ(نهاجر) إلى فقه الاجتماع؟
ذلك الفقه الذي يدرك أنَّ الأمة ليست نسخة واحدة مكررة، وإنما نسيج واسع لا تقوم قوته إلا بتعدد خيوطه.
(8)
متى (نهجر) الضجيج؟
ضجيج الشعارات، وضجيج المنصات، وضجيج الادعاءات الكبرى.
لـ(نهاجر) إلى العمل الصامت؟
فالسنابل الممتلئة لا تصدر ضجيجًا، والأنهار العظيمة لا تحتاج إلى إعلان عن عظمتها.
وما أكثر ما خسرنا لأننا أحببنا الكلام أكثر مما أحببنا الإنجاز.
(9)
متى (نهجر) اليأس المقنع بالحكمة؟
ذلك اليأس الذي يتخفى في ثياب الواقعية والعقلانية والخبرة الطويلة.
لـ(نهاجر) إلى الأمل العامل؟
ليس الأمل الحالم الذي ينتظر المعجزات، بل الأمل الذي يشق طريقه في الصخر ويصنع من العوائق درجات للصعود.
(10)
متى (نهجر) الهجرة من أنفسنا؟
ذلك الفرار الدائم من مواجهة عيوبنا وأخطائنا ونقائصنا.
لـ(نهاجر) إلى أنفسنا؟ إلى اكتشاف ما أودعه الله فينا من طاقات ومواهب وأسرار.
فأعظم القارات التي لم تُكتشف بعد ربما كانت كامنة داخل الإنسان نفسه.
(11)
ولعل الهجرة النبوية تعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ من الطريق، بل من القرار.
فالمدينة وُلدت يوم وُلد اليقين، والدولة وُلدت يوم وُلد المشروع، والنصر وُلد يوم وُلد الاستعداد له.
ولذلك لم تكن الهجرة انتقالًا بين مكانين، بل انتقالًا بين عالمين.
(12)
وفي مطلع هذا العام الهجري الجديد يبقى السؤال معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا:
متى (نهجر) ما اعتدناه لأننا اعتدناه؟
لـ(نهاجر) إلى ما ينبغي أن نكونه؟
متى (نهجر) العجز؟
لـ(نهاجر) إلى الفعل؟
متى (نهجر) الخوف؟
لـ(نهاجر) إلى الأمل؟
متى (نهجر) السكون؟
لـ(نهاجر) إلى الحركة؟
فما قيمة الهجرة إذا بقيت في الكتب؟
وما قيمة العام الهجري الجديد إذا لم يفتح في أرواحنا بابًا جديدًا للهجرة؟
متى... متى... متى؟
