إيران أمام مفترق طرق تاريخي

 

 

 

مسعود أحمد بيت سعيد

masoudahmed58@gmail.com

هل يمكن النظر إلى الاتفاق الأمريكي-الإيراني بوصفه مجرد نهاية لجولة عسكرية، أم ينبغي فهمه كحدث مفصلي قد يعيد تشكيل التوازنات الداخلية والإقليمية على حد سواء؟

لقد استمرت المواجهة العسكرية أشهرًا، راهنت خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل على إسقاط النظام، وتدمير قدراته العسكرية، واستثمار التناقضات الداخلية ودفعها نحو الانقسام، غير أن النتيجة جاءت معاكسة لهذا الرهان؛ إذ أفرزت المعركة حالة من التماسك الداخلي، تجلت في اصطفاف غالبية الشعب في مواجهة العدوان، باستثناء تيار محدود ذي ارتباطات تاريخية بالنظام الملكي السابق وبعض الدوائر الإمبريالية والصهيونية. ويعيد هذا المعطى طرح إشكالية العلاقة بين الشرعية الوطنية والشرعية السياسية؛ فالمعارضة، بأطيافها المختلفة، ورغم خلافها الجذري مع النظام، بقيت حذرة من الانسياق مع المخطط الأمريكي-الصهيوني.

وهنا تتجلى مفارقة لافتة تستحق التأمل في مضامينها ودلالاتها واستشراف آفاقها؛ فمن جهة، نظام سياسي يقبع تحت وطأة عقوبات جائرة، ويعاني من فجوات داخلية عميقة، لكنه يمتلك إرادة وطنية مستقلة مكنته من بناء قاعدة علمية وصناعية جبارة أكسبته القدرة على الصمود وإدارة معاركه العسكرية والسياسية والاقتصادية بكفاءة عالية. ومن جهة أخرى، شعب عظيم يستند إلى تراث حضاري عريق، قدم وحدة ترابه الوطني على اختلافاته الاجتماعية والسياسية. غير أن هذه اللحظة التوافقية لا تلغي التراكم التاريخي لبنية الإقصاء التي تشكلت منذ ما بعد انتصار الثورة عام 1979، حين جرى احتكار المجال السياسي تدريجيًا من قبل تيار محدد، وأُعيد تعريف الدولة على أساس أيديولوجي ديني.

أدى هذا المنحى، على مدى عقود، إلى إفراغ التعددية من مضمونها، ودفع قوى عديدة إلى الهامش أو المنفى، ما أفضى إلى نشوء دولة ذات طابع ثيوقراطي نخبوي تستبطن تناقضًا بنيويًا بين مجتمع متنوع المنابت والمشارب الفكرية والسياسية وسلطة مركزية ذات لون فكري وسياسي واحد.

في ضوء ذلك، قد تفتح مرحلة ما بعد الحرب على احتمالين استراتيجيين متباينين؛ الأول: تكريس الاحتكار السياسي؛ بحيث يعمد النظام إلى شرعنة صموده، وتفسير الالتفاف الشعبي حوله بوصفه دليلًا على صواب خياراته الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية، ما يدفعه إلى تعزيز قبضته الداخلية، مستثمرًا الرأسمال المعنوي الذي راكمه خلال الحرب. ووفق هذا السيناريو، تتحول لحظة الصمود إلى أداة لإعادة إنتاج التفرُّد بالسلطة، عبر تكثيف الضبط الأمني، وتقليص هوامش التعبير السياسي، وتعبئة المجتمع ضمن خطاب أيديولوجي لا يراعي التعدد الإثني والقومي والفكري. بيد أن هذا المسار يحمل بدوره تناقضًا آخر؛ إذ إن تعزيز السيطرة المطلقة في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في تصاعد الاحتقان الاجتماعي وتآكل الشرعية الداخلية.

الاحتمال الثاني: أن تُفرز نتائج الحرب ديناميات موضوعية تعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس جديدة؛ فقد أثبتت التجارب التاريخية أن التماسك الوطني في مواجهة الضغط الخارجي لا يمكن أن يستدام دون بناء العقد الاجتماعي داخليًا. وفي هذا السياق، قد تتجه إيران نحو إصلاحات دستورية تضمن توسيع قاعدة الحريات والمشاركة السياسية، والتوزيع العادل للثروة الوطنية ومراكز صنع القرار السياسي؛ بما يحد من احتكار السلطة. وإذا تحقق هذا التحول، فلن يكون مجرد إصلاح شكلي، بل تغييرًا جذريًا في البنى الطبقية والسياسية، وإعادة تأسيس لنموذج دولة مدنية ديمقراطية تنسجم مع طبيعتها كدولة متعددة القوميات والهويات.

ولا شك أن تداعيات هذا التوجه قد تتجاوز حدود إيران، إذ قد يشكل عامل نهوض نوعي في عموم المنطقة، ويفسح آفاقًا واسعة أمام تحولات كبرى في واقع الأنظمة السياسية المحيطة، تمكن من استبدال أنماط الصراع القائمة بأخرى جديدة تقوم على الاختيارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية.

أما إذا انزلقت الأمور نحو مزيد من الانغلاق، واستمر تأطير الصراع وفق المنظور ذاته -رغم مظهره العام المعادي للهيمنة الإمبريالية والصهيونية- وبالاعتماد على الحوامل التنظيمية والأيديولوجية نفسها، فإن ذلك قد يعيد إنتاج حالة الاستقطاب ويفسح المجال أمام دورات جديدة من الاحتقان السياسي داخليًا وخارجيًا.

في المحصلة.. لا يُختزل ما بعد الحرب في نتائجها العسكرية، بل يتحدد أساسًا بكيفية توظيف تلك النتائج سياسيًا. وتقف إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما تحويل الصمود إلى مدخل لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر شمولًا وتوازنًا، بحيث تنعكس لحظة التوافق الوطني في خدمة تحولات سياسية واقتصادية تصب في مصلحة أوسع الفئات والشرائح الاجتماعية، أو استخدامه ذريعة لترسيخ ذات النموذج الأحادي. وفي كلا الحالين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الشعب الإيراني على إعادة تعريف موقعه في المعادلة السياسية المقبلة، ومدى استعداد السلطة للاستجابة لاستحقاقات المرحلة المقبلة؛ بما يضع تجربة الصمود في خدمة مستقبل أكثر إشراقًا ضمن إطار دولة مدنية ديمقراطية تتسع لكافة المكونات الاجتماعية والسياسية.

الأكثر قراءة

z