د. يوسف بن حمد البلوشي
يعلم الجميع أن الشراكة الاقتصادية مع جمهورية الهند تحمل أهمية استراتيجية لسلطنة عُمان؛ فالهند تُعد خامس أكبر اقتصاد في العالم، حيث يزيد عدد سكانها على 1.4 مليار نسمة، كما تمثل واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية والإنتاجية عالميًا، كما أن أهمية الهند لا تنبع من حجمها السكاني أو الاقتصادي فحسب؛ بل من طبيعة اقتصادها المتنوع الذي يجمع بين الصناعة، والخدمات، والتقنية، والدواء، واللوجستيات، والسياحة، وقاعدة واسعة من الشركات القادرة على العمل عبر الحدود.
كما تزداد أهمية هذه الشراكة عند النظر إلى قطاع الخدمات والتقنية تحديدًا؛ إذ أصبحت الهند قوة عالمية في خدمات تقنية المعلومات والبرمجيات والخدمات الرقمية؛ حيث تشير التقديرات الحديثة إلى أن صادرات الهند من خدمات تقنية المعلومات تجاوزت 224 مليار دولار في السنة المالية 2024/2025. هذا الرقم لا يعكس حجم قطاع تقني فقط؛ بل يعكس قدرة اقتصاد كامل على تحويل المعرفة والمهارات والخدمات الرقمية إلى صادرات عالمية.
غير أن الأرقام، على أهميتها، لا تكفي وحدها، فوجود سوق ضخم لا يعني تلقائيًا قدرة الشركات العُمانية على دخوله، ووجود اتفاقية تجارية لا يعني بالضرورة زيادة الصادرات أو جذب الاستثمارات، كما أن القيمة الحقيقية لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند لا تكمن في النصوص وحدها، ولا في التخفيضات الجمركية أو الإعلان عن الفرص، وإنما في طريقة التعامل معها.
ومن هنا.. فإن المسألة الأهم لا ترتبط فقط بما تتيحه الاتفاقية من مزايا؛ بل بكيفية تحويل هذه المزايا إلى أثر اقتصادي ملموس؛ فالخطأ الذي ينبغي تجنبه هو أن تُقرأ الاتفاقية باعتبارها وثيقة تجارية أو خبرًا اقتصاديًا أو مجموعة إعفاءات جمركية؛ إذ إن هذه قراءة محدودة؛ فالقراءة الأعمق هي أن الاتفاقية أداة تشغيلية لإعادة بناء العلاقة بين السوق، والإنتاج، والخدمات، والاستثمار، واللوجستيات، لذلك فإن السؤال الأهم ليس: ماذا تمنحنا الاتفاقية؟ بل كيف يمكن اقتناص قيمة الاتفاقية؟!
هذا التحول في السؤال يُغيِّر طريقة التفكير بالكامل؛ فالشركة التي تسأل فقط عن الرسوم الجمركية ستبقى محصورة في منطق الاستيراد وخفض التكلفة. أما الشركة التي تسأل عن السوق، والمشتري، والشريك، وسلسلة التوريد، والقيمة المضافة؛ فهي التي تستطيع تحويل الاتفاقية إلى فرصة فعلية وحل لتحديات هيكلية؟
على سبيل المثال، تشير الأرقام الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات المتصلة بميزان المدفوعات العُماني -الذي يرصد التحويلات المالية بين الاقتصاد العُماني والاقتصاد العالمي ويُعده البنك المركزي العُماني- إلى أن متوسط أداء حساب الخدمات للفترة من 2020 إلى 2025 يشير إلى "عجز مُزمن"، مع خروج ما يقارب 4 مليارات ريال عُماني في المتوسط سنويًا من الاقتصاد المحلي لمقابلة الطلب المحلي على الخدمات المختلفة.
وعليه.. في قطاع تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، لا ينبغي أن تكون الذهنية السائدة هي استيراد حلول رقمية هندية أقل تكلفة فقط؛ إذ إن هذا مسار متاح، لكنه محدود الأثر إذا بقي عند هذا المستوى؛ فالذهنية الأعمق ينبغي أن تنظر إلى الهند كشريك في بناء قدرات رقمية داخل سلطنة عُمان؛ حيث إن المطلوب ليس شراء البرمجيات فقط؛ بل بناء شراكات معرفية وتقنية، وتطوير مهارات محلية، وتوظيف الحلول الرقمية في رفع كفاءة القطاعات الاقتصادية المختلفة.
بهذا المعنى تُصبح الاتفاقية فرصة لبناء قطاع خدمات رقمية عُماني أكثر قدرة على النمو والتصدير، لا مجرد قناة لاستيراد خدمات تقنية، كما يمكن أن تخدم هذه الشراكات قطاعات مثل الموانئ، والمصانع، والسياحة، والطاقة، والخدمات المالية، وإدارة سلاسل الإمداد؛ فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُطرح كقطاع منفصل؛ بل كأداة لرفع إنتاجية الاقتصاد كله.
وفي قطاع التصنيع لا يكفي النظر إلى الاتفاقية كوسيلة للحصول على مدخلات هندية أرخص؛ فهذه فائدة مهمة، لكنها ليست كافية، وإنما الذهنية الأهم تتمثل في استخدام الاتفاقية لبناء أنشطة إنتاجية داخل سلطنة عُمان ورفع القيمة المضافة وربط القطاع الصناعي العُماني بسلاسل إنتاج أوسع.
والسؤال ليس فقط: ماذا نستورد من الهند؟ بل كيف يمكن تحويل العلاقة مع الهند إلى شراكات صناعية أكثر عمقًا؟
هنا تبرز أهمية النظر إلى متطلبات النفاذ التفضيلي والمعايير الفنية؛ باعتبارها جزءًا من بناء القدرة الإنتاجية لا مجرد إجراءات إدارية فحسب؛ فالشركات التي تفهم متطلبات السوق وتبني منتجاتها وخدماتها وفقًا لهذه المتطلبات ستكون أكثر قدرة على الاستفادة من الاتفاقية من الشركات التي تكتفي بمتابعة الأخبار أو انتظار الفرص.
أما في قطاع اللوجستيات، فإن الحاجة إلى تغيير طريقة التفكير تبدو أكثر وضوحًا، فالطرح التقليدي يقول إن سلطنة عُمان تمتلك موانئ وموقعًا جيدًا، لكن هذا الطرح، رغم صحته، لم يعد كافيًا. المستثمر لا يبحث عن موقع جغرافي فقط؛ بل عن نموذج تشغيل واضح، وخدمات مساندة، وسرعة في الإجراءات، وقدرة على ربط التجارة بالتصنيع والتوزيع والخدمات.
لذلك لا ينبغي النظر إلى اللوجستيات باعتبارها نقلًا وشحنًا فقط؛ بل باعتبارها صناعة خدمات وقيمة مضافة. والمطلوب هو الانتقال من عقلية "عبور البضائع" إلى عقلية "إدارة سلسلة القيمة"، وهذا يعني أن الموانئ والمناطق الاقتصادية يجب أن تتحول إلى منصات تقدم خدمات أوسع للتخزين، والتجهيز، والتوزيع، وربط الشركات بالأسواق بدل الاكتفاء بدور العبور التقليدي.
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية النظر إلى الممرات اللوجستية في سلطنة عُمان كمنظومة وطنية متكاملة لا كمواقع منفصلة أو متنافسة؛ فالقيمة الحقيقية لا تكمن في قوة كل ميناء أو منطقة اقتصادية على حدة فحسب؛ بل في القدرة على توزيع الأدوار بينها بما يخدم التصنيع، والتخزين، والتوزيع، وإعادة التصدير، ضمن شبكة واحدة. هذا التكامل يمنح المستثمر والشركة المصدِّرة مرونة أكبر، ويجعل سلطنة عُمان قادرة على تقديم نفسها كشريك لوجستي وصناعي متكامل يربط الهند بأسواق الخليج وشرق أفريقيا والأسواق الإقليمية.
وفي قطاع السياحة، لا تكفي الذهنية التقليدية التي تنظر إلى جمهورية الهند كسوق مصدر للسياح فقط؛ وهذه قراءة صحيحة، لكنها محدودة، لكن القراءة الأوسع تتمثل في بناء ربط سياحي بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند، بحيث لا يكون الهدف فقط جذب السائح الهندي إلى سلطنة عُمان؛ بل أيضًا الاستفادة من حركة السفر المرتبطة بالهند؛ سواء من السياح الدوليين القادمين إلى الهند أو رجال الأعمال أو المسافرين لأغراض العلاج والعافية أو الزوار الباحثين عن رحلات متعددة الوجهات في المنطقة.
بهذا المعنى يمكن أن تُطرح سلطنة عُمان كوجهة مكملة للرحلة إلى الهند لا كوجهة منفصلة عنها فقط؛ فالسائح الدولي الذي يزور الهند لأغراض ثقافية أو علاجية أو تجارية قد يكون قابلًا لإضافة محطة في سلطنة عُمان إذا وُجد ربط جوي مناسب، ومنتج سياحي واضح، وحزم مشتركة مع منظمي الرحلات، وتجربة مختلفة تضيف قيمة للرحلة الأساسية، وهنا لا تكون المنافسة مع الهند؛ بل التكامل معها. وهذا يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير السياحي، فبدل الاكتفاء بحملات ترويج عامة موجهة للسوق الهندية، ينبغي تطوير منتجات سياحية مشتركة أو مترابطة تقوم على مفهوم الرحلة متعددة الوجهات. وبذلك تتحول السياحة من مجرد استهداف لسوق كبيرة إلى بناء ممر سياحي قابل للتشغيل بين البلدين، يستفيد من حركة السفر القائمة إلى الهند ويحوّل سلطنة عُمان إلى جزء من تجربة سياحية أوسع ومتكاملة.
ومن المهم التأكيد على أن تغيير الذهنية لا يخص القطاع الخاص وحده، فالجهات الحكومية والمؤسسات الداعمة مطالبة كذلك بالانتقال من التوعية العامة إلى التمكين العملي، فالندوات التعريفية وحدها لا تكفي، فالمطلوب أدوات عملية تساعد الشركات على فهم الاتفاقية، وتحديد الفرص، وبناء الشراكات، والاستعداد للتصدير، والتعامل مع المتطلبات الفنية والتنظيمية.
إن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند ليست مجرد اتفاقية تجارية؛ بل اختبار لطريقة التفكير الاقتصادي، فإذا تم التعامل معها بعقلية تقليدية فقد تؤدي إلى زيادة محدودة في التجارة وبعض المكاسب السعرية، أما إذا تم التعامل معها بعقلية تنفيذية واستراتيجية فإنها يمكن أن تصبح أداة لبناء قطاعات أكثر إنتاجية، وخدمات أكثر قدرة على التصدير، ومنظومة لوجستية أكثر ارتباطًا بالقيمة المضافة، وشراكات أعمق مع اقتصاد بحجم وتعقيد جمهورية الهند.
من هنا.. فإن المطلوب ليس الاحتفاء بالاتفاقية، ولكن تشغيلها، وليس المطلوب انتظار الأثر؛ بل صناعة الأثر؛ فالفرص لا تنتقل تلقائيًا من النصوص إلى الأسواق، وإنما تحتاج إلى شركات تتحرك مبكرًا، ومؤسسات تمكينية تعمل بوضوح، وقطاعات تُعيد تعريف علاقتها بالهند من علاقة تجارة فقط إلى علاقة إنتاج وشراكة وخدمات ولوجستيات وبناء قدرات. عندها فقط تتحول الاتفاقية من إطار تجاري إلى رافعة حقيقية للتنويع الاقتصادي.
