حكايات سلمى (2- 3)

 

 

علي بن سالم كفيتان

سلمى، كعادتها، ترنو إلى السمو والمعالي، لهذا تدفعني لكسر جمودي الفطري تجاه الآخرين. أحاول أن أُبيِّن لها أن هذا نوع من الشعور بالندية، وأن العلاقات يجب أن تقوم على التكافؤ، فتنهرني قائلة: "متى سوف تتخلص من هذه الفوقية الفاضية؟ شوف فلان وشوف علان، كم هم بارعون في نسج خيوطهم مع الآخرين"، وتسترسل واصفةً لي المغانم التي يحصل عليها هؤلاء العنكبوتيون: "سيارة فارهة، ووظائف مرموقة، وتعليم الأبناء في أرقى المدارس والجامعات، ووظائف جاهزة بعد التخرج وحسب الطلب، وأنت ما زلت تلازم فكرك العقيم وشعورك المُتحجِّر تجاه الآخرين".

في الحقيقة، صرتُ أدقق -بعد كل جلسة تحضيرية مع سلمى- في الناس وأدرس مهاراتهم، لكنني كنت أسقط في أول اختبار أواجه فيه نفسي كي أتلبس تلك الشخصيات، فأنا لا أجيد فن المدح ولا فن الإهداء ولا العزائم المقرونة بالتشغيل، ولم أرسل يومًا طردًا بريديًا مليئًا بحبات اللبان الذكر اللؤلؤية، ولا جواني النارجيل السريلانكي سُكريّة المذاق، ولا كراتين التمر الخلاص أو رطب التباشير، ولا قصاع الحلوى المنمقة بالمكسرات، ولم أقدم خدمات الاستقبال والتوديع في المطارات ومحطات الحافلات، رغم ما تدفعني إليه سلمى في كل جلسة معها، ووصفها القاسي لي بالمُتحجِّر وأحيانًا بالبخيل!

أمام النجاحات الباهرة لهؤلاء العنكبوتيين، يصبح العلم الذي درسته مجرد قطعة كرتون، ومهاراتك الخارقة مجرد تقليد قديم لنيوتن وأينشتاين، وبحثك عن الندية في العلاقات مجرد بقايا كبرياء أصبح فائضًا عن الحاجة في عصر الفهلوة الذهبي. قد أكون مخطئًا، وقد أكون مصيبًا، لكنني متأكد أنني لست بين الحالتين؛ فهذه المنطقة القاتمة يعمل فيها الكثير من الوسطيين، فعندما يفشلون في إقناعك بما يروجون له في سطحية العلاقات، يقولون: أنت محق، لكنك ما فهمت الواقع، وهو ما أسميه أنا بـ"نظرية سلمى" للدفع إلى المنطقة الرمادية.

لا تزال سلمى تُروِّج لنظريتها في كل محفل، غير آبهة بـ"أفكاري الرجعية" كما تقول، ولكي تُثبت لي نجاحاتها مقابل رجعيتي، تُقدِّم لي آلاف النجاحات المبنية على علاقات لا تربطها صلة بالقيم والمبادئ السامية التي نتغنى بها. فمن يكون على صواب؟ أنا أم سلمى؟!

الحُكم لكم، قرائي.

الأكثر قراءة

z