لماذا انفجر ترامب؟

 

 

علي بن سالم كفيتان

يجب أن نكون عقلانيين ونتعامل مع الأحداث بعيدًا عن العاطفة، خاصةً في هذه الظروف الحساسة التي تمر بها منطقة الخليج في ظل تورط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حرب لم يستطع إنهاءها حتى الآن، وأصبحت تُهدِّد مستقبله السياسي الذي بناه بعنجهية وصلف وفرض الإرادة على معظم شعوب العالم؛ فاليوم الكل متضرر من هذه الشخصية المتقلبة، وأولهم الدول الغربية وحلفاء "الناتو".

الحقيقة أن سلطنة عُمان مخرت في بحر أمواج عاتية، واستطاعت الحفاظ على الثبات، ولم تجرفها أمواج ترامب وعواصفه الهائجة إلى الخلجان الضحلة، ولم تجنح "سلطانة" (السفينة التي أرسلها السيد سعيد بن سلطان إلى أمريكا) عندما تساقط الأسطول وتعلق ركابه ببقايا المواقف الهزيلة؛ لتجرفهم التيارات وهم يتصايحون: "أين المفر؟!".

نعم، ركزت سلطنة عُمان موقفها بثبات الخنجر -الذي يمتطيه العُمانيون- في عمق العاصفة، وأبت أن تنجر إلى مهاوي الردى، مفضلةً المواجهة على الخداع والمداراة، حتى مع الحليف الذي بات يزمجر اليوم من واشنطن باحثًا عن قشة يتعلق بها لينجو من وحل إيران الذي ذهب إليه بعينين مغمضتين ويدين مملوءتين بتريليونات الدولارات، وبحقد دفين قادم من كيان غاصب يريد دمار كل ما بناه الخليجيون، بعدما قضى على الجمهوريات القومية تحت فزاعة الإسلام السياسي.

نعم، يواجه الخليجيون اليوم أسوأ أزمة سياسية واقتصادية تُهدِّد كيانهم الذي ظل ثابتًا منذ إنشائه عام 1981؛ فالبعض انجر إلى التطبيع مع إسرائيل، والبعض الآخر تحت التهديد إذا لم يُطبِّع، والمضحك المبكي أن يبتز ترامب الخليجيين بأنه لن يُنهي حرب إيران إلا إذا انضم الجميع إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية".

سلطنة عُمان قالت لا للتطبيع ولا للانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية"، وتحفظت على "مجلس السلام" في غزة الجريحة؛ لأنه، باختصار، مشروع عقاري لن يبني وطنًا ولن يجلب الحرية للشعب الفلسطيني الجريح. إذن لن نستغرب غضب ترامب، ولكننا نحسب له حسابًا، ولم يكن مفاجئًا بالمطلق. ورغم أن السؤال بدا عفويًا من صحفي عادي، إلا أنه كان كافيًا لينطق ترامب مهددًا سلطنة عُمان، مع علمنا أن الرجل، ومن قراءة لغة الجسد، لم يكن مجيبًا عن السؤال؛ بل ظهر عليه التوتر والغضب وهو ينطق كلماته تلك.

مياه مضيق هرمز ليست مياهًا دولية، لكن حق المرور مكفول بحكم الاتفاقيات؛ فالمياه تُعد تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلطنة عُمان بما مقداره 12 ميلًا بحريًا في كل جانب تقريبًا، وتمتلك الدولتان حق السيادة على المياه، وتضمنان حرية الملاحة الدولية دون رسوم على المرور فقط. أما الخدمات التي تقدمها الدولتان في مختلف الظروف، فتُجيز لهما تحصيل رسوم مقابل ما يُقدَّم من خدمات، سواء أكانت أمنية أم لوجستية أم غيرها. وسلطنة عُمان عبَّرت، ومنذ بداية الأزمة، عن أنها تحترم الاتفاقيات الدولية المنظمة للممرات البحرية الدولية، وذلك على لسان معالي المهندس وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات.

إن الدخول في اتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية يتعلق بمضيق هرمز يتطلب موافقة سلطنة عُمان، وهذا ربما ما عبَّرت عنه إيران في اللحظات الأخيرة في إسلام آباد، كحليف وجار تاريخي لعُمان، لكنه أثار حنق الإدارة الأمريكية.

ردة الفعل العُمانية اتسمت بالنضج حيال الموقف، حتى بررت الإدارة الأمريكية موقفها على لسان وزير خزانتها في اليوم التالي، والذي ذكر أن الرئيس ترامب يرغب في التأكيد على الوضع الدولي لمضيق هرمز وحرية الملاحة فيه. والوزير نفسه هو من بادر واتصل بسفير عُمان في واشنطن، والذي ذكَّره برسوخ العلاقات السياسية بين البلدين لأكثر من 200 عام، وأن عُمان لا تنوي الانخراط في أي طرح لفرض رسوم عبور على مضيق هرمز، لكنها تظل شريكًا أساسيًا لا يمكن توقيع اتفاق يتعلق بالمضيق إلا بموافقة سلطنة عُمان حسب العرف الدولي وما تشير إليه الاتفاقيات ذات الصلة. ونعتقد أن هذا تراجع واضح عن التصريح غير المنضبط الذي أطلقه الرئيس ترامب.

عُمان دولة رسخت السلام في المنطقة وانتهجت الطرق السلمية لحل كل القضايا، واحتفظت باستقلاليتها التامة وعدم تبعيتها لأحد، لهذا تفردت بالمواقف الحصيفة، ونالت إشادات دول العالم الحر.

لقد نبَّهت سلطنة عُمان حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية من الانجرار إلى "حرب ليست حربها"، وكانت صادقة ومخلصة مع واشنطن، وبيَّنت أن إسرائيل تقود المنطقة إلى الحروب والدمار، وللأسف لم يستمع الحليف الذي أصبح اليوم يبحث عن مخرج من هذه الورطة، دون أن يأبه بكل الثروات التي جرى ابتزازها من المنطقة، والمواقف التي فرضها للتطبيق مع الكيان الغاصب لأرض فلسطين.

عُمان كانت وما تزال صادقة مع كل الأشقاء والحلفاء والشركاء في المنطقة والعالم، ولم ولن تراهن على استغلال الظروف العصيبة لنيل مكاسب سياسية أو اقتصادية، رغم إمكانية ذلك. وبهذا الموقف عرف العالم أن عُمان دولة مستقلة وذات سيادة، وتملك قرارها السيادي. وبهذا الموقف علم من لا يريد أن يعلم أن عُمان أمة عظيمة ترتكز على إرث عريق، قارعت به أعتى الإمبراطوريات، وسادت الدنيا، وهذا الشعور ما يزال راسخًا في عُمان كرسوخ "الأخضر" و"سمحان". وبهذا الموقف استعاد العُمانيون بريقهم في وسط أمة أصبحت خانعة للهيمنة والصلف الأمريكي الإسرائيلي، وبهذا الموقف عرف العُمانيون أن قائدهم هامة عالية لا تدنو إلا لله.

حفظ الله بلادي.

الأكثر قراءة

z