كيف نُنصف من تجاوز سن الـ35؟

 

 

د. عبدالله باحجاج

من يبلُغ سن الخامسة والثلاثين وأكثر من عمره، وهو لا يزال باحثًا عن عمل، يواجه تحديات نفسية واجتماعية معقدة جدًا، ويستوي عنده الليل والنهار، والبعض يفقد بوصلة التحكم في الصواب، وقد جاءنا بعض منهم من أجل فتح قضيتهم لصُنَّاع القرار، فوجدنا منذ الوهلة الأولى من أحاديثهم معنا الإحباط وتآكل الأمل والقلق من المستقبل، نتيجة سنوات طويلة من الانتظار دون تحقيق الاستقرار الوظيفي/ المهني، ولمَّا توغَّلنا في ظروف أحدهم، وجدنا صفات أخرى مُكتسبة في شخصيته، مثل الانسحاب الاجتماعي تجنبًا للأسئلة المُحرِجة حول الوظيفة والمعيشة والمستقبل، كما وجدنا فقدان الشعور الحقيقي بالانتماء للتنمية المعاصرة وتغييراتها الإيجابية، والسبب أنه يجد نفسه خارج مساراتها، كما اكتشفنا ذلك من أحاديثه.

هنا نطرح قضية خاصة جدًا ذات استثنائية تمَس فئة عمرية محددة في قضية الباحثين عن عمل، ونُعلي من شأنها هنا لدواعٍ إنسانية بالدرجة الأولى، وحلها ليس بالصعوبة. ولم نجد إحصائية تكشف لنا عددهم، وقد يكونون أقل مما نعتقد، وهذا المُرجَّح، ومن ثم فالحل مُمكن وبسهولة، والأهم هنا الإسراع في إدخال النور إلى عتمة الانتظار التي يعيشها الباحثون عن عمل في هذا السن، وهذه كبرى الضروريات، ليست اقتصادية فحسب، ولا اجتماعية؛ بل إنسانية كذلك وبامتياز، وحلها يكون لا مركزيًا، وهنا ندعو كل مديرية عامة في محافظات البلاد إلى التدخل الخاص في هذه القضية.

مثلًا.. محافظة ظفار، ونخُص الفاضل ناصر بن سالم الحضرمي مدير عام المديرية العامة للعمل بمحافظة ظفار، وندعوه إلى اتخاذ مبادرة لحل قضية هذه الفئة السنية في ظفار بعد حصر عددهم، وقد نجدهم عددًا في متناول الحل السريع، بحيث تكون هذه المبادرة نموذجًا وطنيًا للحل من منظور محلي -أي في كل محافظة- ولدينا إحساس قوي بأن هذه المبادرة ستحل القضية محليًا، وستكون عابرة للمحليات، وسيُعاد الأمل لهم، وسيتم إنصافهم بعد سنوات طويلة من الصبر والترقب، خاصة وأنها -أي هذه القضية- تدخل في صُلب أدوار السُلَط التنفيذية المحلية واللامركزية، بمعنى أنه لا ينبغي أن تنتظر التوجيهات والتعليمات العُليا أو المركزية التنفيذية، وندعو بإلحاح كل مدير عام أن يتبنى هذه القضية، ويكون لها الأولوية؛ فالحضرمي -مثلًا- قادر على إقناع الشركات الحكومية والخاصة المتواجدة في نطاق التراب الوطني لظفار، وما أكثرها، أن تستوعب أي عدد من الباحثين في هذه الفئة السنية في ضوء ما تحققه الكثير من المشاريع الاقتصادية الضخمة من إنجازات عالمية وإقليمية، مثل ميناء صلالة الذي يحتل المرتبة الثالثة عالميًا، والأولى عربيًا في مؤشر أداء الموانئ.

وهنا التساؤل الوطني: ما انعكاسات ذلك الإنجاز على التنمية المحلية لظفار؟ ربما آن الأوان الآن لأن نبحث حجم انعكاساته المحلية، ومن بينها على قضايا التوظيف والتنمية المحلية، فمثل هذه المشاريع الضخمة التي أقامتها الحكومة تعد قاطرة التوظيف والتنمية عاجلًا، وإذا لم تكن الآن، فمتى تكون؟

وهنا لا ننفي قطعيًا انعكاساتها الاجتماعية، وإنما الدعوة إلى تعظيمها لدواعي تعزيز الاستقرار الاجتماعي وحل مثل هذه القضية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية عاجلًا، فلقاؤنا معهم قد كشف لنا أن أصعب ما يواجه الباحث عن عمل في سن ما بعد 35 سنة، وبالذات 40 سنة، ليس غياب الراتب؛ بل شعوره بأن سنوات العطاء الممكنة تمضي قبل أن تُمنح له فرصة إثبات ذاته، وهذا شعور إذا ما ترسخ فمآلاته معلومة، وطبيعة مرحلتنا الراهنة قابلة لكل الاحتمالات، وحتى لو اكتشفنا أن العدد كبير، كأسوأ الاحتمالات، فلا ينبغي أن يقلقنا أبدًا، بل العكس يدفع بنا إلى التفكير في إيجاد الحلول الواقعية، ونجد أبرزها في استحداث برامج تشغيل مدعومة، ومنح الأولوية في بعض الوظائف والخدمات، واستحداث برامج تدريب وإعادة تأهيل مهني... إلخ.

ودون ذلك فما الحل؟ إنهم في أعمار قد تجاوزت سنَّ المنافسة الوظيفية، وعندما يتقدمون لأي وظيفة يُرفضون آليًا، مبرمجةً بشريًا، كما حدث في مئات فرص العمل لشركة نما مؤخرًا، وإلى جانب معاناة الباحثين أصحاب السن الخارج عن المنافسة، فهناك الآلام ومعاناة أولياء أمورهم الصامتة، فهم الآن قد تجاوزوا صراع الأمل والقلق بعد إقصاء هؤلاء الباحثين من المنافسة الوظيفية، فهم في شعور العجز؛ لذلك، فالأب والأم يحملان الآن الهم المشترك، هم أنفسهما، وهم أبنائهما معًا، وبذلك يكون وجعهما مضاعفًا وصامتًا في آن واحد، وعندما نرى أحدهما في حالة انفجار أو تعصب شديد بعد أي حالة نقاش أو تفاعل، فذلك وراءه تبعات الهم المشترك وغياب الأفق.

فهل ستقود محافظة ظفار تجربة الحل محليًا لكي تكون نموذجًا عابرًا للمحافظات لتلكم الدواعي الثلاثية الأبعاد، وبالذات الإنسانية؟ الحل ممكن، والدواعي تستحق المبادرة، ربما علينا أن ننزل بهذا المقترح إلى الميدان لمناقشة الأخ الحضرمي، فقد كان لنا معه لقاءان مشجعان، ووجدناه من خلالهما متجاوبًا، وجل همه تحقيق الإنجازات، وجدناه منذ الصباح داخل المديرية ينتقل من مكتب خدمي يتابع الأداء ويحل الإشكاليات إن وُجدت، سنطلب لقاءه من أجل طرح رؤيتنا لحل هذه القضية، وستكون محل متابعة لنا من خلال كتابتنا في جريدة الرؤية.

الأكثر قراءة

z