بين الصِفات والمواصفات

 

 

 

 

د. صالح الفهدي

تتردَّدُ في الأذهان كلمة "المواصفات" في اختيار شريك أو شريكة الحياةِ أكثر من "الصفات"، بل لا تكادُ هذه المفردة تُسمع، وهذا في اعتقادي سببٌ من الأَسباب الوجيهة لانهيار العلاقات الزوجية سريعًا، ذلك لأن المواصفات تتعلَّقُ بأمورٍ ظاهريَّة، مثل الجمال، والشكل الخارجي، والغنى، والمستوى التعليمي، والوظيفة، والدخل، والعمر، أما الصفات فهي خصال راسخة في الشخصية والأخلاق، مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والرحمة، وتحمُّل المسؤولية، والكرم، والصبر.

وإذا سألنا: أيهما أثبت للحياة الزوجية؟ فالجواب هو، من وجهةِ نظري، أن الصِّفات أثبتُ من المواصفات؛ لأن المواصفات قد تتغير مع الزمن، فالجمالُ لا يبقى على حاله، أما الصِّفات الأخلاقية فقد تزيدُ رسوخًا ونضجًا. قد يفقد الإنسان وظيفته، أو يتغير شكله، أو يتراجع دخله، أو تتبدل ظروفه، لكن الزوج الصادق يبقى صادقًا، والأمين يبقى أمينًا، والرحيم يبقى رحيمًا. ولهذا كانت النصوص الشرعية تؤكد على الصفات قبل المواصفات؛ قال النبي ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" (أخرجه ابن ماجه والترمذي)، وقال عليه الصلاة والسلام: "تُنْكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (رواه البخاري).

أخبرني أحد الأصدقاء الفضلاء أنَّه زوَّج ابنتهُ لشاب لم يكن يعلمُ أنَّ فيه خصلةَ البخلِ، وهي خصلةٌ لا يعرفها إلا المقرَّبون في الغالب، فضاقت الحياةُ بابنةِ الرجلِ في بيت ذلك الشاب؛ لأنها أصبحت هي من ينفقُ على البيت والأولاد، حتى أتعبها الأمرُ فطلبت الطلاق، فطلقها القاضي بعد أن وصل الحال إلى مفترقِ طرق.

ويُحكى في كتب الأدب والمواعظ أن رجلًا تزوج امرأةً لم يرها قبل الزواج، فلما دخل بها ليلة الزفاف لم تعجبه هيئتها ولم يرُق له جمالها، فعزم على طلاقها من فوره، فلما كاشف الزوج زوجته بما يدور في نفسه قالت له في أدبٍ وحكمة: "إن كنت لا بد مطلِّقي، فأمهلني شهرًا أو مدةً من الزمن، ولا تطلقني الآن، حتى لا يقول الناس إنك طلقتني من أول ليلة، فيظنون بي سوءًا أو يعيبونني بين الناس"، فرقَّ لها وقَبِل طلبها، وأبقاها عنده، وخلال تلك المدة رأى من عقلها وأدبها وحسن خلقها ووفائها -أي صفاتها- ما لم يكن قد رآه ليلة الزواج، فاكتشف أن ما نقص من جمال الصورة قد عوضته محاسن النفس والخلق أضعافًا. ثم ازداد إعجابه بها مع الأيام، وعدل عن فكرة الطلاق، وعاشا حياة طيبة. وكان يقول بعد ذلك ما معناه: "لقد نظرت أول الأمر بعينٍ واحدة، فلما عرفت أخلاقها ودينها وعقلها رأيت منها ما هو أعظم من الجمال".

الشاهدُ هنا أنَّ الصفات أرسخ من المواصفات؛ فالمواصفات الظاهرة قد تجذب الإنسان إلى بداية الطريق، أما الصفات من دين وخلق وعقل ووفاء وصبر فهي التي تحفظ المودة وتبني الحياة الزوجية على المدى الطويل.

ومما هدَّم العلاقات الزوجية سريعًا هو التعرُّف على المواصفات الخارجية للشريك أو الشريكة، دون معرفة الصفات، ولقد حالفَ البعضَ الحظُّ أن لاحظوا بعض الصفات ممن كانوا يتوسمون فيهم شراكة الحياةِ، كمثلِ الاستغلال المادي، أو الأنانية، أو حُبِّ المظاهر، فكانت تلك الصفات السيئة سببًا لعدم مواصلة طريق الزواج، وذلك حظٌّ لا يتحقق لكثيرين من الناس إلا بعد الزواج، فيرون تلك الصفات الخبيئة عنهم وقد ظهرت وكدَّرت عليهم معيشتهم.

أن يختار الشاب زوجته، أو تختار الشابة زوجها من بيتٍ أصيلٍ، فاضلِ التربية، متينِ الأساس، فذلك أقومُ لحياتهما، وأدومُ لعشرتهما من أولئك الذين يتعرفون على بعضهم من الشارع، أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو من غير ثقافتهم، فأضرُّوا بسمعتهم، وأطاحوا بسيرةِ أهلهم، وانتقصوا من مقامهم. لقد رضوا الهوان على أنفسهم، فكان نصيبهم التسخيف والتسفيه والسخرية من الناس، وضياع النسل.

ولا يُفهم من هذا إهمالُ المواصفات كالجمالِ والمستوى الفكري والتعليمي والشكل الظاهر، فتلك من دعائم نجاح الحياة الزوجية، لكنها لا تكفي وحدها لبناءِ حياة زوجية مستقرة، في حين تكفل الصفات الحسنة ضمان المودة والرحمة والسكينة.

ويمكنُ القول إنَّ المواصفات هي ما يجذب الإنسان إلى باب الزواج، أما الصفات فهي ما يبقي الزواج قائمًا ومستقرًا بعد الدخول فيه، ونؤكِّد ثانيةً أنه لا ينبغي إهمال المواصفات تمامًا؛ فالتوافق في بعض المواصفات يسهم في راحة الحياة واستقرارها، لكن الخطأ أن تُقدَّم المواصفات على الصفات، فكم من زواج بدأ بإعجاب بالمظهر أو المكانة أو المال ثم تعثَّر بسبب سوء الخلق، أو رداءةِ الطبع، أو ضعف الوازع الديني، وكم من زواج قام على حسن الدين والخلق فتجاوزَ ضغوط الحياة وتقلباتها.

وإن شئنا أن نجمع الأولويات فهي كالآتي:

أولًا: سلامة الدين والخلق (الصفات).

ثانيًا: النضج النفسي وتحمل المسؤولية (الصفات).

ثالثًا: التوافق في الأهداف والقيم (الصفات والمعاني المشتركة).

أخيرًا: النظر في المواصفات الأخرى من مظهرٍ، وتعليم، ووظيفة، ونحوها.

فالصفات هي الجذور، والمواصفات هي الأغصان؛ وقد تزدهر الأغصان أو تذبل، أما بقاء الشجرة فمرتبط بسلامة جذورها.

الأكثر قراءة

z