عندما تُقهَر حاويات القمامة

 

 

 

 

سعيد المالكي

أعرفُ شارعًا صغيرًا جدًا. صغيرًا إلى درجة أن طوله لا يتجاوز تسعين مترًا، وتطل فيه المنازل على بعضها وكأنها أفراد عائلة واحدة. عدد المنازل محدود. وعدد السكان محدود. وعدد الأطفال محدود.
لكن الشيء الوحيد غير المحدود في هذا الشارع هو إنتاج المخلفات؛ فلو أن أحدًا زار هذا الشارع للمرة الأولى ورأى ما يتناثر يوميًا من قوارير المياه وعلب العصائر والأكياس البلاستيكية والكرتونية ومغلفات الحلويات وبقايا عبوات الآيس كريم، لظن أنه أمام حي مكتظ بالسكان أو منطقة تجارية مزدحمة أو موقع مهرجان جماهيري انتهى قبل دقائق. لكنه سيفاجأ حين يكتشف أن كل هذه الإنجازات البيئية تصدر من شارع لا يتجاوز طوله تسعين مترًا.

في العادة، تُصنع حاويات القمامة لتحتوي وتنتصر. توضع في الأماكن المناسبة، وتكون كبيرة وواضحة وسهلة الوصول، ثم تنتظر أن يؤدي البشر الجزء المتبقي من المهمة. لكن يبدو أن بعض الحاويات لم يُكتب لها هذا المصير.
فعلى طرفي هذا الشارع الضيق القصير، الذي يتقابل على جانبيه فقط ستة عشر منزلًا صغيرًا، تخوض حاويتان كبيرتان معركة يومية شرسة ضد القوارير والعلب والأكياس ومغلفات الحلويات، ثم تنتهيان كل مساء بهزيمة جديدة.
أما البلدية، مشكورة، فقد أدت ما عليها. فقد وضعت في هذا الشارع الصغير حاويتين كبيرتين للمخلفات تحاصرانه من طرفيه، حتى يصعب على أي شخص أن يخرج من منزله دون أن تقع عيناه على إحداهما.
لكن يبدو أن المشكلة ليست في الرؤية. فالحاويتان واضحتان، وكبيرتان، ومعروفتان للجميع.
وموجودتان في مكانهما منذ فترة ليست بالقصيرة. ومع ذلك، تستمر المخلفات في اختيار أماكن أخرى للإقامة. بل إن بعضها يبدو وكأنه يحمل موقفًا شخصيًا من الحاويات، فيتجنبها بكل إصرار. وتبقى المخلفات تتمتع بحرية تنقل لا تحظى بها بعض وسائل النقل العام.

وربما نكون قد ظلمنا الأطفال. فمن يدري؟
لعل الحارة نفسها عنيدة وتحب الفوضى، فتقوم الجدران ليلًا بقذف ما يتيسر لها من قوارير وعلب وأكياس ومغلفات في الشارع، ثم تعود إلى أماكنها قبل أن يراها أحد.
أو ربما أن الحيوانات المشردة القريبة قد طورت نمطًا غذائيًا حديثًا، فأصبحت تشرب العصائر المعلبة وتأكل الآيس كريم المغلف وتستمتع بالحلويات المعبأة، ثم تتخلص من مخلفاتها بعناية وعن عمد أمام المنازل قبل أن تنصرف. فهذه التفسيرات تبدو أحيانًا أسهل من الوصول إلى تفسير آخر نحاول تجنبه بكل تهذيب.

ومن باب الإنصاف أيضًا، لا نقصد التعميم على جميع سكان الشارع أو المنطقة.
فنحن لا نعرف أصلًا من هم الأطفال الذين يرمون المخلفات ومن هم الأطفال الذين لا يفعلون ذلك. ولا نعرف أي المنازل تشارك في هذه المساهمة اليومية وأيها لا علاقة له بالأمر.
كل ما نعرفه أن الأوساخ تظهر يوميًا. ونعرف أنها لا تسقط من السماء. ولا تنبت من الأرض.
ولا تحملها الرياح من قارات أخرى. ولا تصل عبر الشحن البحري أو الجوي.
هي فقط تظهر. وكأن الشارع يمتلك مصنعًا سريًا لإنتاج النفايات يعمل على مدار الساعة.

لكن بعيدًا عن السخرية، تبقى الحقيقة بسيطة جدًا؛ فالطفل يولد بريئًا، ويتعلم مما يراه أكثر مما يتعلم مما يسمعه. وإذا كان من الطبيعي أن يخطئ الطفل، فمن غير الطبيعي أن يتحول الخطأ إلى عادة يومية لا تجد من يصححها.
والوالدان لا يعلمان أبناءهما القراءة والكتابة فقط، بل يعلمانهم أيضًا احترام المكان والناس والممتلكات العامة.
يعلمانهم أن الشارع ليس سلة نفايات مفتوحة، وأن الرصيف ليس حاوية بديلة، وأن الجار ليس عامل نظافة متطوعًا لإزالة ما نتركه خلفنا. وأن النظافة ليست عبارة جميلة تُقال في المناسبات، بل سلوك يومي يظهر في أبسط التفاصيل. ولم يكن عبثًا أن تحظى النظافة بكل هذه المكانة في ديننا وثقافتنا، فهي صحة، واحترام للآخرين، واحترام للنفس قبل كل شيء.
ومن هنا يبرز سؤال مُحيِّر: إذا كانت هذه هي حال بعض الناس خارج منازلهم، فكيف هي الحال داخلها؟
نتمنى بالطبع أن يكون الجواب أفضل بكثير، لأن الأمر لا يدعو إلى التفاؤل؛ إذ إن أكثر ما يثير الحيرة أن كثيرًا من الناس لا يقبلون بوجود ورقة صغيرة داخل غرفة الجلوس، ولا كيس فارغ في فناء المنزل، ولا بقعة غبار على سيارة تُغسل كل أسبوع وربما كل يوم.
لكن يبدو أن بعض هذه الحساسية المفرطة تجاه النظافة تتوقف عند عتبة الباب. فما إن تعبر المخلفات إلى خارج سور المنزل حتى تتحول فجأة إلى شأن عام لا يعني أحدًا. وكأن الشارع ليس امتدادًا للبيت. ولا الجار شريكًا في المكان. ولا الأطفال يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما يُقال لهم.

ربما لا يقتصر الأمر على هذا الشارع وحده، فبالرغم من أن معظم الأحياء في بلادنا تتميز بالنظافة والاهتمام حتى أصبحت مثالًا يُحتذى به، وهو أمر يستحق الإشادة والفخر، إلا أنه قد توجد، هنا وهناك، أحياء أخرى تشبه هذا الشارع بدرجات متفاوتة، حيث تبدو بعض الأرصفة والزوايا وكأنها أُعيد تصنيفها رسميًا لتكون مواقع بديلة لاستقبال المخلفات، رغم وجود الحاويات على بُعد خطوات قليلة.

ولهذا فإن الرسالة لا تتوجه إلى سكان هذا الشارع وحدهم، بل إلى كل أب وأم، وإلى كل أسرة، وإلى كل من يسكن حيًا أو حارة أو قرية أو مدينة. فالنظافة لا تبدأ من البلدية. ولا من عامل النظافة. ولا من الحملات الموسمية. بل تبدأ من البيت.
تبدأ حين يتعلم الطفل أن ما يحافظ عليه داخل منزله يجب أن يحافظ عليه خارجه أيضًا.
وحين يدرك أن الشارع مُلكٌ للجميع، وأن احترام الجار لا يكون بالكلمة الطيبة فقط، بل كذلك بعدم ترك الأذى أمام منزله أو في طريقه.
والأحياء النظيفة لا تُصنع بالشعارات وحدها، بل يصنعها أهلها، وتبقى نظيفة ما دام أهلها يرون في نظافة المكان انعكاسًا لأخلاقهم واحترامهم لأنفسهم ولغيرهم، والتزامًا بتعاليم دينهم، قبل أن تكون مجرد مظهر أمام الآخرين.

وبعد كل ما قيل، قد لا تكون المشكلة في الحاويتين أصلًا. فقد وصلتا إلى المكان. ووقفتا في مواقع مناسبة. وبقيتا هناك ليلًا ونهارًا. وأدتا كل ما يمكن أن تؤديه حاوية قمامة في حياتها المهنية.
لكنهما، رغم ذلك كله، ما زالتا تخسران المعركة يومًا بعد يوم.
لهذا بدأتُ أقتنع بأننا ربما أسأنا فهم وظيفتهما منذ البداية. فربما لم توضعا أصلًا لجمع المخلفات. وربما أن مهمتهما الحقيقية تقتصر على تجميل المشهد العام وإضافة لمسة حضارية إلى الشارع.
فلا تفسير آخر لقدرة المخلفات على الانتشار في كل مكان، مع استمرار الحاويتين في الوقوف بهدوء وثبات وكأنهما قطعتان للزينة الحضرية.
ويبقى السؤال:
إذا كانت الحاويتان واضحتين للجميع، وإذا كانت المنازل قليلة، وإذا كان الشارع قصيرًا إلى هذا الحد، فمن الذي ما زال يعتقد أن الأرض أفضل للأوساخ من الحاوية؟

 

الأكثر قراءة

z