سعيد المالكي
لا أجد تفسيرًا واضحًا لكيفية استمرار بعض المقاهي والمطاعم في العمل، ليس في المدن البعيدة أو المناطق النائية فحسب، بل أحيانًا حتى في قلب مسقط نفسها. ربما يصح أن نطلق على بعضها اسم: "مقاهي الغفلة"؛ لا لأن الغفلة صفة أصحابها بالضرورة، بل لأنها تبدو وكأنها تعمل في مساحةٍ لا تصل إليها العين الرقابية كما ينبغي، أو لا يصل إليها الحد الأدنى من المعايير التي يفترض أن ترافق مكانًا يقدم الطعام للناس.
في بعض تلك المقاهي، لا يجد الزبون أحيانًا أبسط مقومات النظافة والعناية، مع أن احترام الزبون لا يبدأ من الكلمات اللطيفة وحدها، بل من البيئة التي يُقدَّم له فيها الطعام. لا أتحدث هنا عن الرفاهية أو المبالغة في التوقعات، بل عن أمور هي من أبسط البديهيات؛ نظافة ظاهرة، وأدوات مناسبة، ومستلزمات أساسية، لعل أقلها أوراق المحارم التي باتت -على كثرة أنواعها وتوفرها- أرخص من كثير من عبوات مياه الشرب.
بالتالي، يساورني سؤال لا يخلو من التوجس: إذا كانت أبسط مظاهر النظافة والخدمة غير حاضرة أمام أعين الزبائن، فكيف تبدو الأمور في المطبخ ذاته؟ وكيف يتم إعداد الطعام الذي يرتبط مباشرة بصحة الإنسان؟
قد يقول البعض دفاعًا أو تبريرًا إن بعض هذه المقاهي تقدم أنماطًا غذائية مرتبطة بجاليات أو بثقافات طعام مختلفة.
لكن السؤال هنا لا يتعلق بهوية الطعام ولا بجنسية من يقدمه، فنحن نتحدث عن معايير إنسانية وصحية لا جنسية لها، وعن حقٍ في النظافة والاحترام لا ينبغي أن يختلف عليه أحد، ناهيك عن أن هذه المقاهي تقع في بيتنا العربي المسلم الذي طالما ارتبط بالنظافة واحترام الطعام والضيف، كما أن من يعيش على أرض البلاد -مهما كانت جنسيته أو خلفيته- إنسان يستحق خدمة ترقى إلى الحد الأدنى من الكرامة والنظافة.
ثم إن المقهى أو المطعم لا يمثل نفسه أو صاحبه فقط، فهو -شاء أم أبى- يصبح جزءًا من الصورة التي يراها الزائر عن المكان كله، خاصة حين لا تحمل تلك المنشآت أسماء أجنبية صريحة أو ما يوضح طبيعتها الاستثمارية أو خلفيتها التجارية.
وهنا يتجدد التساؤل: هل تعمل بعض هذه المقاهي فعلًا في غفلة من الجهة المسؤولة، رغم ارتباط نشاطها المباشر بصحة الناس؟ وإذا كانت الجهات المختصة -مشكورة- تتشدد أحيانًا في تراخيص وإجراءات لا تمس الصحة أو الغذاء بصفة مباشرة، فكيف يمكن تفسير وجود منشآت غذائية تبدو فيها أبسط المعايير محل تساؤل؟ هل يرتبط الأمر بتفاوت الرقابة بين منطقة وأخرى أو بالجهات الفرعية المسؤولة داخل النطاق الأكبر؟ أم أن المعايير نفسها تختلف باختلاف حجم المقهى أو نوع الطعام أو هوية من يديره؟
أسئلة لا تُطرح بقصد الاتهام، ولا لتوجيه اللوم إلى مسؤول بعينه، فغالب الأخطاء -كما نأمل- قد تكون تصرفات فردية لا تمثل المؤسسات.
ومع كامل التقدير والاحترام لكثير من أصحاب المقاهي والمطاعم الذين يقدمون خدماتهم بإتقان وإخلاص دون انتظار رقابة، وتكاد نظافة مرافق مطاعمهم تفوق ما يتوقعه الزبون من أماكن أكثر حساسية، فإن الحديث هنا يظل موجهًا إلى الاستثناءات (الكثيرة للأسف) التي تسيئ للمشهد كله ولا تمثل الجميع.
لكن ما يصعب فهمه أحيانًا أن بعض الجهات قد تُبالغ في تعقيد إجراءات تراخيص لا علاقة لها بصحة الإنسان، في حين يبدو أن ما يتعلق بالطعام والنظافة -وهو الأكثر التصاقًا بصحة الناس- يحتاج إلى حضور رقابي أكثر حزمًا ووضوحًا؛ فالقاعدة التي لا ينبغي أن يختلف حولها اثنان بسيطة: التشدد في كل ما يمس الطعام والصحة ضرورة، والتسهيل فيما لا يستحق التعقيد رقيٌّ إداري وإنساني، لا تنازلٌ عن النظام.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام "مقاهي غفلة"، أم أمام غفلة عن المقاهي نفسها؟!
