السُّرَّة.. آخر حدود الحرية!

 

 

 

سعيد المالكي

 

الحرية من أنبل القيم الإنسانية، لكنها لم تكن يومًا سببًا لغياب الضوابط، ولا تصريحًا مفتوحًا لتجاهل حقوق الآخرين. فكل مجتمع يضع، صراحةً أو ضمنًا، حدودًا لما يُعد سلوكًا مقبولًا في فضائه العام؛ ليس انتقاصًا من حرية الفرد، وإنما حفاظًا على حق الجميع في التعايش باحترام متبادل.

وانطلاقًا من مبدأ احترام الإنسان، وهو مبدأ رسخته الشرائع والأديان، وأجمعت عليه القيم الإنسانية، فإن الاحتشام في الأماكن العامة ليس مجرد التزام ديني أو عرف اجتماعي، بل أحد مظاهر احترام الإنسان للإنسان، واحترام حق الآخرين في أن تبقى الأماكن العامة مناسبة للجميع.

لكن يبدو أن مفهوم الحرية عند بعض الناس بدأ يتخذ مسارًا مختلفًا، حتى غدا معيارها يُقاس بمقدار ما يُكشف من الجسد، بعضها يتعدى حدود السُّرَّة، وكأن الاحتشام أصبح تراجعًا، بينما التعري أصبح تقدمًا.

وبالتالي أتساءل: هل أصبحت السُّرَّة آخر حدود الحرية؟

قد يبدو سؤالي ساخرًا، لكنه في الحقيقة ليس عن السُّرَّة بحد ذاتها، وإنما عن الحد الفاصل بين الحرية الشخصية والذوق العام، وبين حق الفرد في اختيار ملبسه، وحق المجتمع في أن تبقى أماكنه العامة مناسبة لجميع فئاته.

ففي بلدٍ ما زال يعتز بقيمه الاجتماعية، ويحاول أن يحافظ على الحد الأدنى من الذوق العام والاحتشام في الأماكن العامة، أصبح الذهاب إلى بعض المجمعات التجارية أو الحدائق العامة يحتاج إلى مهارة من نوع خاص؛ ليس في التسوق، وإنما في إدارة اتجاه النظر.

لقد أصبحتُ أتجنب دخول كثير من المجمعات التجارية، خاصة عندما أكون برفقة أسرتي وأطفالي. إذ لم يعد التحدي في العثور على موقف للسيارة، أو ربما انتظار الدور عند صندوق المحاسبة، بل في محاولة السير دون أن تصطدم العين، رغمًا عنها، ببطون مكشوفة، وظهور عارية، وأفخاذ لم تعد ترى في الستر فضيلة، ولا في المكان العام خصوصية تستوجب الاحترام.

لا أتحدث هنا عن حالة فردية أو مظهر عابر، بل عن ظاهرة تتسع شيئًا فشيئًا، حتى أصبح كشف البطن إلى ما دون السُّرَّة عند بعض الفتيات والنساء لباسًا اعتياديًا داخل أماكن يرتادها الأطفال والعائلات.

سيقول كثيرون: "هذه حرية شخصية"، وأوافقهم إلى حدٍّ ما.

فاللباس في أصله حرية شخصية، لكن الحرية الشخصية تنتهي عندما تبدأ في فرض آثارها على الآخرين. فكما أن من حقي اختيار ملابسي، فمن حق غيري أن يرتاد مكانًا عامًا دون أن يُفرض عليه مشهد لا يحترمه، ولا ينسجم مع أخلاق وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه.

ولا أكتب لأفرض على أحد نمطًا معينًا في الملبس أو أسلوبًا في الحياة، فذلك ليس من حقي، كما أنه لا ينسجم مع احترامي للإنسان بوصفه إنسانًا. إنما أتحدث عن مبدأ أؤمن بأنه أساس التعايش: أن تنتهي حرية الفرد عند النقطة التي تبدأ فيها حقوق الآخرين في الفضاء العام. فالاحتشام هنا ليس قضية وصاية، وإنما قضية احترام متبادل، تضمن أن تبقى الأماكن العامة مريحة وآمنة ومناسبة لجميع فئات المجتمع، مهما اختلفت قناعاتهم وخلفياتهم.

ومن المفارقات أن العالم اليوم يخوض معارك طويلة ضد الحجاب، باعتباره رمزًا للاحتشام، بينما يلتزم صمتًا مريبًا أمام موجة التعري، وكأن كشف الجسد أصبح أحد مؤشرات التقدم والتحضر.

والطريف في الأمر أننا نصدر تعليمات وتشريعات صارمة للشباب تمنعهم (على سبيل المثال) من ارتداء السراويل القصيرة في بعض الأماكن العامة، بينما يُغض الطرف عن مظاهر أكثر كشفًا عند الطرف الآخر، وكأن المشكلة كلها تكمن في ركبة رجل، لا في بطن مكشوف أو فخذ ظاهر.

هذا الأمر يشبه إلى حد بعيد أن يترك أحدهم الطعام مكشوفًا في العراء، ثم يطالب القطط بألا تقترب منه، ويعاقبها إذا فعلت.

ولكيلا يُساء فهمي، فأنا لا أبرر أي تحرش أو اعتداء، فالمتحرش مذنب مهما كانت الظروف، ويجب أن يُحاسب وفق القانون. لكن الاقتصار على معاقبة الجاني، مع تجاهل كل ما يسيء إلى الذوق العام ويستفز المجتمع، يشبه علاج المرض بعد استفحاله مع إهمال الوقاية منه. فالردع لا يكون بالعقوبة وحدها، وإنما أيضًا بوضع ضوابط تحافظ على الاحتشام في الأماكن العامة، احترامًا للجميع.

ولستُ أتحدث عن جنسية معينة أو فئة محددة، فهذه الظاهرة لم تعد مرتبطة بأحد بعينه، وإنما أتحدث عن تشويهٍ لمفهوم الحرية الشخصية في مجتمع له خصوصيته الثقافية والدينية.

والاحتشام، بالمناسبة، ليس قيمة إسلامية فحسب، بل قيمة إنسانية عرفتها معظم الحضارات والديانات عبر التاريخ؛ لأنه يعبر عن احترام الإنسان لنفسه، واحترامه للمحيط الذي يعيش فيه.

ثم ماذا يفعل رب الأسرة الذي يريد أن يقضي وقتًا مع أطفاله في مكان مكيف وآمن؟ فالمجمعات التجارية لم تعد مجرد محلات للبيع والشراء، بل أصبحت متنفسًا للعائلات، ومكانًا للألعاب والمطاعم والفعاليات، خاصة في بلد ترتفع فيه درجات الحرارة معظم أشهر السنة.

فهل يُطلب من الأسر أن تعتزل هذه الأماكن؟ أم أن من حقها أيضًا أن تجد بيئة عامة تراعي الحد الأدنى من الاحتشام؟

لا أناقش دوافع من تختار هذا النوع من اللباس، ولا ما الذي تريد إيصاله أو التعبير عنه، فهذا شأنها الشخصي. لكن حين يكون المكان عامًا، وليس مكانًا أو منتجعًا خاصًا مغلقًا، فإن احترام الجميع يصبح أمرًا واجبًا على الجميع.

أليس من حق إدارات المجمعات التجارية، كما تشترط منع التدخين، أو تمنع الدخول بملابس النوم، أو تفرض قواعد للسلوك، أن تضع حدًا أدنى من معايير اللباس اللائق، لا وصايةً على الناس، وإنما حفاظًا على طبيعة المكان واحترامًا لمختلف فئات المجتمع؟ أم أن تلك المجمعات والأماكن تقع خارج إطار البلاد؟

إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل أصبح التطور يُقاس بمقدار ما يُكشف من الجسد، أم بمقدار ما يزداد من مساحة الوعي واحترام الإنسان؟

 

الأكثر قراءة

z