القانون وحده لا يكفي

 

 

د. سالم بن عبدالله العامري

في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدي الناس، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحاتٍ مفتوحة للتعبير والتفاعل وتبادل المعلومات، لم تعد جرائم تقنية المعلومات مجرد أفعال معزولة ترتكب في فضاء افتراضي بعيدا عن الواقع، بل أصبحت جرائم تمس الأفراد والأسر والمؤسسات والدول، وتؤثر في الأمن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بصورة مباشرة.

ومن هذا المنطلق، جاء المرسوم السلطاني رقم (61/2026) بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ليشكل محطة تشريعية مهمة في مسيرة سلطنة عُمان نحو تعزيز الأمن الرقمي وحماية المجتمع من المخاطر والتهديدات الإلكترونية المتنامية.

ولا شك أنَّ المتأمل في مواد القانون والعقوبات المُقررة فيه يدرك أن المشرع العُماني لم يكن يستهدف مجرد العقاب بعد وقوع الجريمة، بل أراد أن يؤسس لمنظومة ردع قانونية قوية تحفظ الحقوق وتصون الخصوصية وتحمي البيانات والمعلومات وتواجه مختلف صور الابتزاز والاحتيال والتشهير والاعتداء الإلكتروني.

غير أنَّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يكفي وجود قانون قوي وعقوبات رادعة لتحقيق الغاية المنشودة؟

الإجابة الواقعية تقول إنَّ القانون مهما بلغت دقته وقوته لا يستطيع وحده أن يؤدي رسالته كاملة إذا لم يسبقه أو يصاحبه وعي مجتمعي واسع بأحكامه ومقتضياته. فالقوانين لا تُكتب للنخب القانونية فقط، وإنما تُشرّع للمجتمع بأسره، وللإنسان العادي قبل المختص، وللمستخدم البسيط قبل الخبير التقني.

واليوم يكاد لا يوجد فرد في المُجتمع خارج دائرة استخدام التقنية. فالطفل يستخدم الأجهزة الذكية قبل أن يتقن الكتابة، والطالب يتلقى جزءًا من تعليمه عبر المنصات الرقمية، والموظف يعتمد على الأنظمة الإلكترونية في عمله، ورب الأسرة يتواصل ويشتري ويبيع ويُدير شؤونه المالية عبر التطبيقات المختلفة. بل إنَّ كبار السن والأميين وفاقدي الأهلية ومن يفتقرون إلى المعرفة التقنية أصبحوا جزءًا من هذا العالم الرقمي، سواء بإرادتهم أو من خلال من يتعامل نيابة عنهم.

وهنا تتجلى أهمية التوعية القانونية والتقنية بوصفها شريكًا أساسيًا للتشريع. فكم من شخص قد يرتكب مخالفة إلكترونية دون أن يدرك أنها مجرّمة قانونًا؟ وكم من فرد يُعيد نشر محتوى أو صورة أو مقطعًا صوتيًا أو مرئيًا ظنًا منه أنَّ الأمر لا يتجاوز المشاركة العابرة، بينما قد يترتب على ذلك مسؤولية قانونية جسيمة؟ وكم من ضحية للابتزاز أو الاحتيال أو انتهاك الخصوصية تجهل حقوقها أو آليات الحماية القانونية المتاحة لها؟

إنَّ التوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي جعل كل فرد اليوم ناشرًا ومتلقيًا ومؤثرًا في الوقت ذاته. ومن هنا فإنَّ أي خطأ في التعامل مع المحتوى الرقمي قد لا يبقى محصورًا في نطاق ضيق، بل قد ينتشر خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص، لتتحول ضغطة زر واحدة إلى قضية قانونية أو أزمة اجتماعية أو ضرر معنوي يصعب تداركه.

لذلك فإنَّ المرحلة المُقبلة تتطلب إطلاق حملة وطنية شاملة ومستدامة للتوعية بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لا بوصفها نشاطًا موسميًا مؤقتًا، بل مشروعًا وطنيًا مستمرًا يُواكب التحولات الرقمية المتسارعة.

وينبغي أن تشمل هذه الحملة مختلف الجهات الرسمية والأهلية والخاصة، بحيث تتكامل فيها أدوار المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام والجمعيات الأهلية والمؤسسات الدينية والشركات الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي. كما يجب أن تُصاغ الرسائل التوعوية بلغة مبسطة يفهمها الجميع، بعيدًا عن المصطلحات القانونية المعقدة.

فالطالب يحتاج إلى معرفة حدود المسؤولية القانونية في استخدام المنصات الرقمية، والموظف يحتاج إلى فهم واجباته المتعلقة بحماية البيانات وسرية المعلومات، وولي الأمر يحتاج إلى أدوات لحماية أبنائه من مخاطر الفضاء الإلكتروني، وكبار السن يحتاجون إلى إرشادات واضحة تحميهم من الاحتيال والاستغلال الإلكتروني.

كما أنَّ من المهم أن تتجاوز التوعية مجرد التعريف بالعقوبات إلى بناء ثقافة رقمية مسؤولة تقوم على احترام الخصوصية والملكية الفكرية والكرامة الإنسانية وأخلاقيات النشر والتواصل. فالهدف الحقيقي ليس تخويف الناس من القانون، بل تمكينهم من استخدام التقنية بوعي ومسؤولية وأمان.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الوعي هو خط الدفاع الأول ضد الجرائم الإلكترونية. فكل ريال يُستثمر في التوعية قد يوفر أضعافه من الخسائر المادية والاجتماعية والنفسية التي قد تنجم عن الجرائم الرقمية. كما أن المجتمع الواعي يقلل من فرص الجريمة قبل وقوعها، وهو ما يمثل أسمى أهداف التشريع.

إن صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يمثل خطوة تشريعية متقدمة تعكس حرص سلطنة عُمان على مواكبة التحولات الرقمية وحماية مجتمعها من المخاطر المستجدة. غير أن نجاح القانون في تحقيق أهدافه سيظل مرتبطًا بمدى معرفة الناس بحقوقهم وواجباتهم، وبمدى قدرتنا جميعًا على تحويل الوعي الرقمي إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي راسخ.

فإذا كان القانون هو السور الذي يحمي المجتمع، فإنَّ الوعي هو البوابة التي تمنع الخطر من الوصول إليه. وحين يجتمع القانون الرادع مع المجتمع الواعي، يتحقق الأمن الرقمي الحقيقي الذي يحفظ للوطن استقراره، وللأفراد حقوقهم، وللتقنية رسالتها في خدمة الإنسان والتنمية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z