سلطان بن ناصر القاسمي
كثيرًا ما يمُر الإنسان بمواقف يرى فيها شخصًا آخر يحقق نجاحًا أو ينال مكانة أو يمتلك نعمة كان يتمنى أن تكون له، فيشعر بشيء من الضيق أو المقارنة أو الرغبة في الوصول إلى ما وصل إليه ذلك الشخص.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل الغيرة طبيعة فطرية في الإنسان أم أنها سلوك مكتسب؟ والحقيقة أن الغيرة في أصلها شعور إنساني طبيعي يولد مع الإنسان؛ فهي استجابة نفسية مرتبطة بحب التميز والرغبة في التقدم وتحقيق الأفضل، لكن طريقة التعامل مع هذا الشعور هي التي تحدد إن كان سيتحول إلى سلوك إيجابي يدفع صاحبه إلى النجاح، أم إلى سلوك سلبي يقوده إلى الحقد والكراهية والتعاسة.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى مقارنة نفسه بمن حوله، ويراقب ما يحققه الآخرون من إنجازات أو ما ينعمون به من نعم، وهذا أمر فطري لا يمكن إنكاره أو تجاهله. غير أن المشكلة لا تكمن في الشعور ذاته، وإنما في الكيفية التي يتعامل بها الإنسان معه. فهناك من يرى نجاح الآخرين حافزا له على الاجتهاد والعمل وتطوير قدراته، فيجعل من الغيرة دافعًا إيجابيا يدفعه إلى الأمام، وهناك من يستسلم للمقارنات السلبية حتى تتحول لديه إلى مشاعر مؤذية تسرق راحته النفسية وتفسد علاقاته بالناس.
وتتخذ الغيرة صورًا متعددة في حياة الإنسان؛ فمنها ما يظهر في العلاقات الأسرية والعاطفية عندما يخشى أحد الطرفين فقدان الاهتمام أو التقدير أو المكانة التي يحظى بها لدى الطرف الآخر. وهذه الصورة من الغيرة قد تكون طبيعية إذا بقيت ضمن حدود الاعتدال، لكنها قد تتحول إلى مشكلة عندما تؤدي إلى الشك المفرط أو فقدان الثقة أو التضييق على الآخرين.
كما تظهر الغيرة في محيط الأسرة والعائلة؛ حيث قد تنشأ بسبب التفوق الدراسي أو النجاح الوظيفي أو التميز الاجتماعي لأحد الأقارب. ولعل هذا النوع من الغيرة يعد من أكثر الأنواع حساسية، لأن العلاقات العائلية تقوم أساسًا على القرب والمودة وصلة الرحم، ولذلك فإن أي مشاعر سلبية غير معالجة قد تتحول مع الوقت إلى خلافات أو قطيعة أو توتر دائم بين أفراد الأسرة الواحدة.
أما الغيرة الاجتماعية فهي من أكثر الأنواع انتشارا في عصرنا الحالي، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي. فالكثير من الناس يشاهدون يوميا صور النجاح والإنجاز والسفر والمقتنيات والمظاهر الجميلة التي ينشرها الآخرون، دون أن يروا حجم التحديات أو الإخفاقات أو الجهد الذي سبق تلك اللحظات. ومع تكرار المقارنة قد يظن البعض أن الآخرين يعيشون حياة مثالية خالية من المشكلات، فينشأ لديه شعور بالنقص أو عدم الرضا عن واقعه، رغم أن الحقيقة تختلف كثيرًا عما يظهر على الشاشات.
وللغيرة آثار سلبية عديدة إذا تُركت دون معالجة. فهي تستهلك طاقة الإنسان النفسية وتجعله منشغلا بمراقبة الآخرين بدلا من التركيز على تطوير ذاته. كما أنها قد تؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، وتزيد من مشاعر القلق والتوتر وعدم الرضا، وقد تدفع بعض الأشخاص إلى التقليل من إنجازات الآخرين أو التشكيك فيها أو البحث عن أخطائهم بدافع الشعور بالمنافسة غير الصحية. والأسوأ من ذلك أن استمرار هذه المشاعر قد يحرم الإنسان من الاستمتاع بما يملكه من نعم، لأنه ينشغل دائمًا بالنظر إلى ما في أيدي الناس.
ومن الناحية المجتمعية، فإن انتشار الغيرة بصورة سلبية يضعف روح التعاون والتآلف بين أفراد المجتمع، ويعزز ثقافة المقارنة والانتقاص بدل ثقافة التشجيع والدعم. فالمجتمعات الناجحة لا تبنى على التنافس القائم على الحسد والكراهية، وإنما تبنى على التنافس الشريف الذي يدفع الجميع إلى التقدم دون أن يتمنى أحد زوال الخير عن غيره.
وللتغلب على هذه المشاعر يحتاج الإنسان أولا إلى تعزيز ثقته بنفسه والإيمان بأن لكل إنسان ظروفه وقدراته ومساره الخاص في الحياة. فما يصلح لشخص قد لا يصلح لغيره، وما يتأخر عند إنسان قد يأتيه في الوقت الذي اختاره الله له. كما أن ممارسة الامتنان للنعم الموجودة في حياة الإنسان تعد من أهم الوسائل التي تعزز الرضا وتخفف من المقارنات السلبية، لأن من يركز على ما يملكه يشعر بقيمته أكثر من الذي يركز باستمرار على ما يملكه الآخرون.
ومن المهم كذلك أن يحول الإنسان مشاعر الغيرة إلى دافع للتعلم والتطور، فينظر إلى نجاح الآخرين بوصفه مصدر إلهام لا مصدر إحباط. فكل قصة نجاح تحمل دروسا وتجارب يمكن الاستفادة منها، وكل إنجاز يحققه الآخرون يثبت أن الوصول إلى الأهداف ممكن لمن يعمل ويجتهد ويثابر.
ويبقى الإيمان بقضاء الله وقدره وقسمة الأرزاق من أعظم ما يزرع الطمأنينة في النفس. فالله سبحانه وتعالى قسم الأرزاق والحظوظ بين عباده بحكمة يعلمها، وجعل لكل إنسان نصيبه الذي لن يأخذه غيره. ومتى ما استقر هذا اليقين في القلب خفت حدة المقارنات، وحل محلها الرضا والسكينة وحسن الظن بالله.
إن الغيرة شعور إنساني طبيعي لا يكاد يخلو منه أحد، لكنها ليست مشكلة في ذاتها، بل تتوقف نتائجها على الطريقة التي نتعامل بها معها. فإذا أحسن الإنسان توجيهها أصبحت وقودا للنجاح والتطور، وإذا تركها تتحول إلى حقد وكراهية أحرقت راحته قبل أن تؤذي غيره. والإنسان الحكيم هو الذي يفرح لنجاح الآخرين كما يفرح لنجاحه، ويجعل من قصصهم مصدر إلهام له، لأن القلوب الممتلئة بالرضا والمحبة هي الأقرب إلى السعادة والأكثر قدرة على بناء علاقات إنسانية صحية ومستقرة.
