إسماعيل بن شهاب البلوشي
منذ بداية المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انطلقت معظم التحليلات من زاوية القوة العسكرية البحتة. الأرقام كانت واضحة، والتفوق العسكري والتقني معروف، والقدرات الاقتصادية والعسكرية تميل بصورة كبيرة إلى الطرف الأمريكي وحلفائه. لكن ما بدا مع مرور الوقت أن هناك جانبًا آخر لم يُحسب بالدقة نفسها، وهو الجانب المعنوي والأيديولوجي والديني الذي يقوم عليه النظام الإيراني.
كثيرون كانوا يعتقدون أن أي مواجهة عسكرية واسعة ستؤدي سريعًا إلى تغيير في الموقف الداخلي الإيراني، أو على الأقل إلى نشوء حالة من الضغط الشعبي تدفع القيادة الإيرانية إلى التراجع أو تقديم تنازلات جوهرية. إلا أن ما حدث على أرض الواقع لم يسر وفق تلك التوقعات. فالرأي العام الإيراني، رغم الضغوط والصعوبات، لم يتحرك بالاتجاه الذي كانت بعض الدوائر الغربية تتوقعه ووقف مع قيادته وهذا ليس بغريب على شعب عريق مثل الشعب الإيراني الذي ورث حضارة عريقة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التحول في الاستراتيجية الغربية خلال السنوات الأخيرة. فالمتابع يلاحظ أن الحديث عن المواجهة العسكرية المباشرة تراجع بصورة واضحة، بينما تصاعد التركيز على العقوبات الاقتصادية، وتقييد الحركة المالية، وتجميد الأموال، وتشديد الضغوط على العملة الإيرانية والاقتصاد الإيراني بشكل عام.
البعض يفسر هذا التحول على أنه دليل على عدم القدرة على مواجهة إيران عسكريًا، لكن هذه القراءة قد تكون مبسطة أكثر مما ينبغي. فالقوة العسكرية الأمريكية ما زالت الأكبر عالميًا، والقدرات الإسرائيلية معروفة، لكن السؤال الحقيقي ليس القدرة على بدء الحرب، بل القدرة على تحقيق أهدافها السياسية النهائية.
يبدو أن التجربة السابقة أوصلت صناع القرار إلى قناعة بأن الحرب العسكرية المباشرة قد تكون مكلفة للغاية، وقد لا تؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية المطلوبة. فالنظام الإيراني لا يستند فقط إلى مؤسسات الدولة التقليدية، بل يستند أيضًا إلى منظومة فكرية وعقائدية وأيديولوجية تمنحه قدرة كبيرة على الصمود وتحمل الضغوط لفترات طويلة.
ولهذا السبب ربما أصبح الخيار الاقتصادي أكثر جاذبية في الحسابات الغربية. فبدلًا من مواجهة عسكرية مفتوحة وما تحمله من مخاطر إقليمية ودولية، يتم الرهان على الضغط التدريجي من الداخل عبر التضخم، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وتضييق فرص النمو الاقتصادي، على أمل أن تتراكم هذه الضغوط بمرور الوقت لتنتج آثارًا سياسية يصعب تحقيقها بالقوة العسكرية وحدها.
وعندما ننظر إلى تفاصيل المفاوضات التي تتكرر بين الحين والآخر، نجد أن الملفات الاقتصادية تحتل مساحة كبيرة من النقاش. الأموال المجمدة، والعقوبات، وآليات الإفراج عن الأرصدة، والتعاملات المالية، كلها أصبحت عناصر أساسية في أي حوار. وهذا يعكس أهمية البعد الاقتصادي في الاستراتيجية الحالية أكثر من أي وقت مضى.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن المواجهة لم تتوقف، لكنها انتقلت من ساحة إلى أخرى. فبدلًا من الطائرات والصواريخ، أصبحت أدوات الضغط تتمثل في الأسواق والعملات والتجارة والاستثمارات والتحويلات المالية. إنها معركة مختلفة في الوسائل، لكنها لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية التقليدية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الضغط الاقتصادي تحقيق ما عجزت عنه المواجهة العسكرية؟ أم أن المجتمع الإيراني يمتلك من عوامل الصمود ما يجعله قادرًا على التكيف مع هذه الضغوط كما تكيف مع تحديات سابقة؟
الإجابة النهائية لا تزال في علم الغيب، لكن المؤكد أن الصراع لم يعد يُدار فقط في الميدان العسكري، بل أصبح الاقتصاد أحد أهم ميادينه، وربما أكثرها تأثيرًا على المدى البعيد. ولهذا فإنَّ فهم ما يجري يتطلب النظر إلى ما وراء العناوين العسكرية، وإلى تلك المعركة الهادئة التي تدور يوميًا داخل الأسواق والبنوك وحركة الأموال، حيث قد تُحسم نتائج لا تقل أهمية عن نتائج، وإنني أرى أن إيران والموافقة على اتفاق يستمر فيه الخناق الاقتصادي ويوقف الصواريخ، ليس من صالحهم على الإطلاق، كما أن الالتفاف إلى الداخل وبكل قوة يجب أن يكون حاضرًا وبكل الوسائل.
