البيت أول خطوط الحماية

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

يرنّ هاتفك

  • السلام عليكم.. المسامحة على الإزعاج، هل أنت والد الشاب فلان بن فلان؟
  • نعم
  • نرجو حضورك في أقرب وقت إلى إدارة مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بشرطة عُمان السلطانية.

تنتهي المكالمة وتبدأ الأسئلة: كيف حدث ذلك؟ ومتى اقترب الخطر من ابني؟ وأين كنتُ أنا من كل ما جرى؟

في لحظات كهذه لا يعود المال مهمًا ولا المنصب ولا المكانة الاجتماعية. يتحول كل شيء إلى سؤال واحد: كيف وصل الابن إلى هذا الطريق؟

قد يكون هذا المشهد افتراضيًا بالنسبة لبعض القرّاء لكنه واقع عاشته أسر واكتشفت متأخرة أن الخطر لم يبدأ يوم الاتصال بل بدأ قبل ذلك بوقت طويل. بدأ بإشارات صغيرة لم تُؤخذ بجدية وتصرفات قيل عنها إنها لا تستدعي القلق ورفقة لم تحظَ بالمتابعة الكافية وساعات غياب طالت دون سؤال؛ فالمخدرات والمسكرات وغيرها من الآفات لا تقتحم البيوت فجأة بل تتسلل إليها بصمت. وحين تُكتشف بعد فوات الأوان تكون الخسائر أكبر من أن تُقاس بواقعة عارضة أو خطأ مؤقت.

ومن هنا تبدأ القضية.. الصمت عن المؤشرات المبكرة ليس حيادًا بل قد يتحول مع الوقت إلى شراكة غير مقصودة في تفاقم المشكلة. ومن هنا تبرز أهمية الدور المجتمعي ودور أهل الرأي والخبرة في تعزيز ثقافة الوعي والاحتواء وعدم التقليل من إشارات قد تبدو بسيطة لكنها تحمل في عمقها بدايات لمسارات أخطر.

ولنضع الأمور في إطارها الواضح فإن الحديث عن بعض السلوكيات غير المحمودة المرتبطة بالمسكرات والمخدرات والممنوعات وما يصاحبها من أسفار غير منضبطة وسهرات مقلقة داخل البلاد وخارجها لن يُحتمل التغاضي عنها أو السكوت عليها بعد اليوم.

وهي ممارسات لم تكن مألوفة في البيئة العُمانية الأصيلة غير أن الانفتاح غير الواعي وتقليد بعض الأنماط الدخيلة أسهما في ظهور سلوكيات تستوجب دقّ أجراس الإنذار وتسريع الجهود الرسمية والمجتمعية لتجفيف منابع هذه الآفات.

وإذا كانت هذه المؤشرات تستدعي الانتباه في كل بيت عُماني فإنها تستحق قدرًا أكبر من اليقظة في المناطق الحدودية العُمانية التي عُرفت بالأصالة والتكاتف والنخوة وكان أهلها دائمًا سندًا للمجتمع وشركاء في حفظ توازنه الاجتماعي.

ولا ريب أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكمات امتدت لسنوات من ضعف المتابعة وتأثير رفقة السوء والفراغ الذي يدفع بعض الشبيبة إلى طرق خاطئة بحثًا عن إثبات الذات. ومع الوقت بدأت بعض هذه الممارسات تُقدَّم لدى فئة محدودة على أنها نوع من الاستقلالية حتى تراجعت حساسية البعض تجاه خطورتها وآثارها بعيدة المدى.

ومن المؤلم أن بعض السموم لا تشق طريقها إلى المجتمعات مصادفة بل تجد دائمًا من يفتح لها الأبواب أو يتربح من انتشارها على حساب استقرار الأسر وسلامة الشباب ومستقبلهم.

غير أن المعالجة الحقيقية لا تبدأ من الخارج فقط بل من داخل البيت أيضًا. فالأسرة تبقى خط الحماية الأول ودورها لا يقتصر على توفير الاحتياجات المعيشية والترفيهية بل يمتد إلى المتابعة والتوجيه وبناء الثقة والوعي.

ومن المسلّم به أن بعض الأسر تواجه اليوم تحديات متزايدة في متابعة الأبناء مع تغيّر أنماط الحياة والانشغال وسوء فهم مفهوم الحرية والاستقلالية أحيانًا. لكن ذلك لا يعفي الأسرة من مسؤولية المتابعة الواعية فالسؤال عن الرفقة والوجهة ووقت العودة ليس تشكيكًا في الثقة بل جزء من الحماية قبل وقوع الخطر.

وحين يُترك الأبناء لساعات طويلة دون متابعة تتراكم المشكلات تدريجيًا حتى تصبح أكثر تعقيدًا وصعوبة في المعالجة؛ فالطفل لا يولد منحرفًا لكنه قد يُترك دون احتواء فيضل الطريق.

كما أن فئة المراهقين ومع شحّ القدوات الإيجابية وغياب الأنشطة الجاذبة تصبح أكثر عرضة للتأثر برفقة السوء وثقافة التقليد.

وليس المقصود بالمتابعة أن تتحول العلاقة بين الآباء والأبناء إلى مساحة من الشك أو التضييق بل أن تقوم على القرب والحوار والثقة. فكم من مشكلة أُغلقت أبوابها بكلمة صادقة وكم من شاب وجد في أسرته الملاذ الذي جنّبه الوقوع في مسارات لم يكن يدرك عواقبها. ومع سهولة التنقل والسفر لبعض الشبيبة في أعمار مبكرة وتراجع الرقابة أحيانًا تتضاعف الحاجة إلى الوعي الأسري والمجتمعي خصوصًا في المراحل الحساسة من العمر.

كما لا يُمكن تحميل الجهات الرسمية وحدها مسؤولية هذه الظواهر. فالدولة تبذل جهودًا كبيرة في حماية الحدود العُمانية ومكافحة التهريب بكافة أنواعه وأشكاله لا سيما السموم المخدّرة. غير أن بناء القيم يبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع ومهما تعددت الأنظمة والإجراءات الاحترازية تبقى التربية الواعية هي الحصن الحقيقي للأبناء.

والخسارة هنا لا تقف عند شاب يضل الطريق بل تمتد إلى أسرة تتألم ومجتمع يفقد طاقة كان يمكن أن تكون عنصر بناء ووطن يخسر فرصة استثمار أبنائه في التنمية بدل ضياعهم في مسارات خاطئة.

فما الحلول؟

الحلول لا تبدأ بالتهويل ولا بإنكار المشكلة بل بالوعي والشراكة والعمل المبكر.

أولًا: تعزيز دور الأسرة واستعادة حضورها التربوي.

ثانيًا: ترسيخ ثقافة مجتمعية ترفض التفاخر بالسلوكيات الخاطئة.

ثالثًا: التوسع في البرامج الشبابية والرياضية والمهنية التي تستثمر طاقات الشباب.

رابعًا: تعزيز دور المدرسة والإعلام والمؤسسات في بناء الوعي.

خامسًا: الحزم في مواجهة مروّجي السموم وكل ما يهدد أمن المجتمع.

ويُطرَح هنا سؤال مشروع: كيف يغيب عن بعض الكُتّاب وأصحاب المنابر الإعلامية التوقف عند مثل هذه القضايا التي تمسّ أمن المجتمع ومستقبل أبنائه بينما تُستنزف الجهود في قضايا أقل أثرًا وأضعف تماسًا مع حياة الناس؟

إن قيمة الكاتب لا تُقاس بكثرة الظهور بل بقدرته على ملامسة ما يؤرّق المجتمع ويهدد توازنه لا بما يحقق له حضورًا آنيًا أو استعراضاً مؤقتًا.

وليست الإشارة هنا إلى شخص بعينه بقدر ما هي دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات حتى لا تطغى قضايا الضوء على قضايا الواقع.

إنَّ حماية الأوطان لا تبدأ عند نقاط الحدود فقط بل من داخل البيت ومن وعي الأسرة ومن يقظة المجتمع؛ فالحدود قد تمنع عبور بعض الأخطار لكن ما يتسلل عبر الغفلة لا يوقفه إلا بيت يقظ وأسرة حاضرة ومجتمع لا يساوم على مستقبل أبنائه. والمجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من التحديات؛ بل تلك التي تمتلك الوعي الكافي لمواجهتها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

الأكثر قراءة

z