عائض الأحمد
بين حينٍ وآخر، يتصدر مشهدَ العبث أحدهم، وكأنه هبط من السماء ممسكًا "بطباشيره"، مشمّرًا عن ساعديه، متأهبًا ليعلن: أنا هنا.
وصديقه "الإعلامي" لم يألُ جهدًا؛ صنع منه كاتبًا يُشار إليه بالبنان، حتى أوهم الناس أن هذا المجد وُلد مع اسمه، وأن قلمه لم يعرف يومًا بابًا غير الإبداع. ذلك ظنه بنفسه، ولو علم سخرية القوم منه، لما وضع صورته في إطارٍ أبدًا. فلا أحد في نظره يحق له أن يعتقد بأنه يستعين بوسيلة حديثة، أو يقتات على عبارات: "أحسنت" و"إلى الأمام"، فهو- كما يروي- نام وصحا على إيقاع قلمه وحده. ومن لم يعجبه ذلك… فـ"ماء البحر حلالٌ عليه" إن شربه او باعه.
أمثال هؤلاء الحمقى لا دواء لهم.
ولستُ هنا ممن يرفض الأدوات الحديثة أو يستنكرها، فهي تُحسن وتُعين، لكنها لا تصنع كاتبًا من فراغ، ولا تمنح فكرًا لمن لم يُنتجه أصلًا، وإنما الخلل حين تتحول إلى قناعٍ يُخفي خواء الفكرة، ويُسوّق للفراغ على أنه إبداع.
صديقي… هل فكّرت يومًا أن تتجرّد من هويتك، وتستعير هويةً تمضي معك؟ ثم في منتصف الطريق، حين تهمّ بقول الحقيقة، تسقط؛ لأن اللغة التي تكتب بها ليست اللغة التي تفكّر بها… فماذا أنت فاعل؟
رحم الله أيامًا مضت، كنا نتداول فيها الكتاب الواحد، ونستحلف من يأخذه أن يعيده كما أخذه، فقد كان بالنسبة لنا كنزًا نعود إليه وقت الحاجة.
فما أحوج هؤلاء إلى مبادئ الظهور الحقيقي، لا إلى استعارة الوسائل الحديثة لكتابة ما عجزت عنه أقلامهم، وضاق به فكرهم الأجوف. أو يجب علينا أن نأتي بهم في فراغٍ يشبه عقولهم، ونمسك بيد كلٍّ منهم ورقةً وقلمًا بعيدًا عن أعين وشاشات "معزّزيهم" لنرى ماذا سيظهر لنا.
حينما ينتهي الكلام وتُطوى الشاشات أقول لهم ما أقوله لأطفالي الصغار: "عيب" يا بابا.
لها: ما يحدث صنيعتي وجريرة أفعالي، وعليك ألا تنسى أن من زرع سيحصد لا محاله.
شيء من ذاته: خيرًا تفعل إن قلتها اليوم لمن يلزمه الصمت.
نقد: "الاعتقاد السائد" يظن البعض أنني ملزمٌ به، وكأن الرأي لا يُولد إلّا في ظلّهم.
