د. إبراهيم بن سالم السيابي
في الخليج، لا تحتاج أن تشرح للناس معنى الانتماء؛ فهو يُشبه الهواء، يُحَسّ ولا يُقال. هناك شيء أعمق من السياسة والحدود، شيء يسكن الناس منذ زمن بعيد، ويجعلهم يشعرون أن هذا المكان بيتٌ واحد، مهما تعددت الأسماء.
في هذه البقعة من الأرض، لا نشعر أننا نعيش بين دول متفرقة بقدر ما نشعر أننا نتحرك داخل فضاء واحد كبير، تتشابه فيه الوجوه والطباع، وتقترب فيه القلوب قبل الخطوات. من مسقط إلى الكويت، ومن البحرين إلى الدوحة وأبوظبي والرياض، هناك خيط غير مرئي يربط الناس بعضهم ببعض، اسمه ببساطة: الخليج.
قبل أن تُرسم الحدود الحديثة، كان البحر طريقًا لا يفصل بل يصل، وكانت الموانئ محطات لقاء لا نقاط عبور، وكانت الحياة اليومية ممتدة بين السواحل بلا شعور بالغربة أو الانقطاع. لم تكن المسافات تقاس بالخرائط بقدر ما كانت تقاس بالألفة، ولا كانت الهوية محصورة في إطار ضيق، بل كانت أوسع من كل تعريف لاحق. لذلك بقي الخليج في الذاكرة الشعبية مكانًا واحدًا، مهما تبدلت الأعلام وتغيرت الخرائط والأنظمة.
وكانت الحياة اليومية في الخليج شاهدة على هذا الامتداد الطبيعي؛ فالتجارة البحرية لم تكن تعرف حدودًا صارمة، والرحلات بين السواحل كانت جزءًا من دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وكانت العادات متقاربة إلى حدٍ كبير، من اللباس إلى اللهجات، ومن المناسبات إلى أنماط المعيشة. حتى العلاقات الأسرية امتدت بين هذه الدول بشكل جعل الفاصل الجغرافي أقل حضورًا في الوعي الشعبي من رابطة القرب والانتماء.
ثم جاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، ليجسّد هذا المعنى العميق، ويمنحه إطارًا مؤسسيًا يحميه وينظمه ويطوره. لم يكن الهدف من إنشائه صناعة وحدة من العدم، بل صون وحدة قائمة في التاريخ والوجدان، وتعزيز التعاون بين دول تجمعها الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.
رحم الله القادة المؤسسين الذين أدركوا مبكرًا أهمية هذا التلاقي، فكانت رؤيتهم أبعد من لحظتهم، وأوسع من حدود زمانهم، وأسهموا في بناء هذا الصرح الذي أصبح اليوم عنوانًا للتعاون والاستقرار في المنطقة.
إن مجلس التعاون الخليجي لم يولد ليكون كيانًا عابرًا أو مشروعًا سياسيًا مرتبطًا بظرفٍ مؤقت، بل هو امتداد لواقعٍ أعمق من السياسة وأبقى من اللحظة. ولذلك فإن كل ما يُقال من قيلٍ وقال، أو محاولات التشكيك أو التأويل في خضم الظروف الراهنة، لا يمسّ حقيقة هذا الكيان ولا جوهره. فهو ليس وليد ردود أفعال، بل ثمرة رؤية تاريخية راسخة، تقوم على إدراك عميق بأن ما يجمع دول الخليج وشعوبها أكبر من أن تهزه العواصف أو تغيّره المتغيرات، وهو كيان وُلد ليبقى.
ومع مرور الزمن، تغيّر العالم من حولنا على نحو متسارع. حروبٌ في الإقليم، وأزماتٌ اقتصادية متلاحقة، وتشابك متزايد في المصالح الإقليمية والدولية، وتباين في المواقف إزاء عدد من القضايا الكبرى في المنطقة. وفي السنوات الأخيرة، اشتدت التحديات وتعاظمت المسؤوليات، وأصبحت المنطقة أكثر حاجة إلى التماسك والتعاون واستحضار المشتركات التي تجمع أبناءها.
ومع كل ذلك، يبقى الخليج أكبر من كل الظروف، وأقوى من كل ما يمر به من تحديات. ففي الأوقات التي يبحث فيها الناس عن الطمأنينة، تتجلى الحقيقة الأهم: أن هذه الأرض يجمعها مصير واحد ، وأن سلامة أي جزء منها هي طمأنينة للجميع، وأن ما يؤلم مكانًا منها يجد صداه في قلوب بقية أبنائها.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا كشعوب خليجية واضحة وبسيطة: أن نبتعد عن كل ما يفرق، وأن نحصّن وعينا من الانجرار وراء ما يعمّق الخلاف أو يوسّع الفجوة. فهذه الملفات تُدار بحكمة القادة، وهم أدرى بمصالح دولهم وبما يحفظ استقرار المنطقة، ونحن نثق بأنهم يمارسون هذه المسؤولية بروية ومسؤولية عالية.
أما دورنا نحن، فهو أن نحافظ على روح الأخوّة، وأن نُبقي روابطنا الإنسانية فوق كل اعتبار، وألا نسمح للضجيج أن يطغى على الحقيقة الكبرى: أننا أبناء منطقة واحدة، يجمعنا تاريخ مشترك، ومصير واحد، ومستقبل لا ينفصل بعضه عن بعض.
ولعل ما تؤكده الأيام دائمًا أن قوة الخليج الحقيقية لا تكمن فقط في اقتصاده أو إمكاناته أو مؤسساته، بل في ذلك الشعور العميق الذي يجعل أبناءه يقفون إلى جانب بعضهم بعضًا كلما دعت الحاجة. فحين تشتد الظروف، يكتشف الناس أن ما يجمعهم أكبر من المصالح الآنية، وأن رابطة الأخوّة والجوار والمصير المشترك ليست شعارات تُقال، بل حقيقة تتجدد كلما احتاجت المنطقة إلى التكاتف والتعاضد.
في الختام، يبقى مجلس التعاون الخليجي أكثر من مؤسسة سياسية؛ إنه تعبير عن إرادة جماعية بأن هذا المكان يستحق أن يبقى متماسكًا مهما اشتدت العواصف. وإن قوة هذا الكيان لا تكمن فقط في قراراته، بل في وعي شعوبه، وفي إدراكهم أن وحدة الصف ليست خيارًا عابرًا، بل ضرورة وجود؛ فمستقبل هذه المنطقة لن يُكتب بالفرقة، بل بالتكاتف. ولن يُبنى بالتباعد، بل بالقرب والثقة المتبادلة. وسيظل الخليج، ما دام أهله أوفياء لمعناه الأول، بيتًا واحدًا واسعًا يسع الجميع. وستبقى شعوبه، مهما اختلفت الظروف وتبدلت الأيام، تدرك أن ما يجمعها أكبر من كل عابر، وأن وحدتها هي مصدر قوتها وطمأنينتها واستمرارها.
وهكذا يظل مجلس التعاون الخليجي كيانًا وُلد ليبقى، ما بقيت في الخليج روحُ الانتماء، ووحدةُ المصير، والإيمان بأن هذه الأرض لا يكتمل أمنها واستقرارها إلا بتماسك أهلها جميعًا.
