د. إبراهيم بن سالم السيابي
تمُرُّ السنوات أحيانًا، لكن بعض الأحزان تبقى واقفة في مكانها لا تتحرك. فهناك أوجاع لا تُقاس بالوقت، ولا تُشفى بسهولة، خاصة حين يكون الفقد قطعةً من القلب وامتدادًا للروح.
منذ عامين تقريبًا، فارق طفلٌ صغير الحياة في حادثة مؤلمة، رحل بعمر العاشرة، تاركًا خلفه أمًا لم تستطع حتى اليوم أن تخرج بالكامل من عباءة الحزن. ورغم إيمانها العميق بالقضاء والقدر، وإدراكها بأن الحياة لا تزال تحمل لها مسؤوليات أخرى تجاه أبنائها وزوجها وبيتها، إلا أن شيئًا في داخلها ما زال مكسورًا منذ لحظة الرحيل.
هي تمارس حياتها بصورة طبيعية أمام الناس، تقوم بواجب الأمومة، وترعى بيتها، وتقف إلى جانب أسرتها، وتبتسم أحيانًا، لكن القلب في الداخل له حكاية أخرى لا يراها الجميع. فبعض البشر يتقنون إخفاء الألم احترامًا للحياة ومن حولهم، لا لأن الوجع انتهى.
وقد يظن البعض أن عودة الأم إلى ممارسة حياتها تعني أنها تجاوزت الحزن، لكن الحقيقة أن الإنسان أحيانًا يتعلّم كيف يعيش مع ألمه، لا كيف ينساه. فهي تضحك أحيانًا، وتشارك الناس مناسباتهم، وتهتم بأبنائها وبيتها، لكن في داخلها مساحة لا تزال معلقة بذلك الطفل الذي رحل. فبعض الفقد لا يغادر القلب، بل يتحول إلى جزءٍ صامت من حياة الإنسان، يرافقه كل يوم دون أن يراه الآخرون.
كلنا يدرك معنى أن تفقد الأم طفلًا بدأ يكبر أمام عينيها، طفلًا كانت تراه يكبر يومًا بعد آخر، ويقترب من المستقبل بخطوات صغيرة وأحلام كبيرة. هي التي حملته، وأرضعته، وربّته، وسهرت عليه في مرضه وفرحت في نجاحه، ثم بدأت ترسم له ملامح الغد؛ مرةً تراه طبيبًا، ومرة مهندسًا، ومرة رجلًا يسندها حين تكبر. لكن كل تلك الأحلام قد تتبخر في لحظة واحدة أمام قدرٍ لا يستأذن أحدًا.
أصعب ما في الفقد ليس لحظة الرحيل فقط، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تبقى بعده؛ مكانه الفارغ، صوته الذي اعتاده البيت، أشياؤه التي ما زالت تحمل رائحته، والذكريات التي تختبئ في كل زاوية من زوايا المنزل. هناك غياب لا يُرى بالعين فقط، بل يُشعَر به في كل تفاصيل الحياة.
وحين يحاول الأقربون والمحبون المواساة، يذكّرون الأم بأن طفلها -بإذن الله- طير من طيور الجنة، وأنه لم يبلغ الحلم بعد، وهي كلمات صادقة ومؤمنة بها القلوب، لكنها لا تلغي الوجع الإنساني. فالأم لا تبكي اعتراضًا على قضاء الله، بل تبكي لأن قلبها موجوع بسبب الفقد، ولأن جزءًا من روحها رحل فجأة.
والمؤلم أحيانًا، أن بعض الناس يحمّلون الأم فوق وجعها وجعًا آخر، حين يفسّرون استمرار حزنها على أنه ضعف إيمان أو عدم رضا بالقضاء والقدر. بينما الحقيقة أن الإيمان لا يلغي المشاعر الإنسانية، وأن الحزن فطرة في البشر. فالأم قد تكون صابرة وراضية بقضاء الله تمام الرضا، لكنها تبقى أمًا فقدت ابنها، وهناك فرق كبير بين الحزن الطبيعي وبين الاعتراض على القدر.
وفي مثل هذه المواقف، يشعر الإنسان بعجزٍ مؤلم أمام من يحب. نحاول أن نواسي، أن نخفف، أن نبحث عن كلماتٍ تطمئن القلوب، لكننا ندرك في داخلنا أننا لا نملك أن نعيد لهم من فقدوا، ولا نستطيع أن ننتزعهم من تلك المساحة الثقيلة من الحزن. نقف فقط بقلوبٍ مكسورة، نتمنى لو أن الدعاء يكفي ليخفف شيئًا من هذا الألم.
وهذه ليست حكاية أمٍ واحدة فقط، بل وجع تعرفه بيوت كثيرة. ففي مجتمعنا أمهات يواصلن الحياة بصمت، بينما يحملن في الداخل فراغًا لا يملؤه شيء بعد رحيل طفلٍ أحببنه بكل تفاصيل الأمومة.
وكأن القدر يذكّرنا بين حينٍ وآخر بضعف الإنسان أمام الفقد، فبالأمس القريب ودّعت حارتنا طفلةً صغيرة بعد معاناة مع المرض، تاركةً خلفها أمًا تبدأ رحلة جديدة مع الصبر والاحتساب. فالموت لا يفرّق بين حادثٍ مفاجئ أو مرضٍ طويل، والنتيجة واحدة في قلب الأم؛ غيابٌ موجع، وحنينٌ لا ينطفئ، وذكرياتٌ تبقى حاضرة مهما مضت الأيام.
لستُ أكتبُ عن الفقد، لأن الأحزان تحتاج إلى من يذكّر بها، فهي لا تغيب عن أصحابها أصلًا. أكتب لأن خلف هذا الوجع أمًا نرجو لها أن تستعيد توازنها مع الحياة، وخلف كل دمعة قلبًا يخوض معركته الصامتة مع الذكريات. فالحزن ليس عيبًا يُخفى، ولا ضعفًا يُدان، وإنما تجربة إنسانية ثقيلة يتفاوت الناس في حملها. وما نرجوه للحزين ليس أن ينسى، فبعض الأحبة يسكنون القلب إلى الأبد، وإنما أن يجد القدرة على مواصلة الطريق، وأن يبقى للذكرى مكانها، وللحياة حقها أيضًا.
في الختام، تبقى المشاعر الإنسانية من أصدق ما في هذه الحياة؛ فهي التي تمنح للأيام معناها، وللأشخاص مكانتهم في قلوبنا. والفقد، مهما كان قاسيًا، لا يذكّرنا فقط بمن رحلوا، بل يذكّرنا أيضًا بقيمة من ما زالوا بين أيدينا، وبأن النعم التي نعتاد وجودها قد تكون يومًا أكثر ما نفتقده.
فلنحفظ أبناءنا بالرعاية والاهتمام، وبالوعي والحذر، وبالدعاء الذي لا ينقطع لهم في كل حين. ولنتذكر دائمًا أن وجودهم في حياتنا نعمة عظيمة تستحق الشكر قبل أن تستحق الخوف عليها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا، أحياءً كانوا بين أيدينا أو سبقونا إلى رحمة الله، أن يبقى الحب والدعاء حاضرَين في قلوبنا.
نسأل الله أن يحفظ أبناءنا وبناتنا من كل سوء، وأن يلبسهم لباس الصحة والعافية، وأن يجعلهم قرة عينٍ لآبائهم وأمهاتهم، وأن يملأ بيوتنا بضحكاتهم وسلامتهم. كما نسأله سبحانه أن يرحم كل طفلٍ رحل عن عالمنا مبكرًا، وأن يربط على قلوب والديه بالصبر والسكينة والرضا.
