عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
لم يحتج «حزب شعب الصراصير» الهندي (Cockroach Janta Party – CJP) إلى سنوات من التنظيم الحزبي أو شبكة مكاتب منتشرة في الولايات الهندية كي يتحول إلى ظاهرة سياسية. فقد بدأ في مايو 2026م كحملة ساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم انتقل خلال أسابيع قليلة من النكات والصور الساخرة إلى الشوارع، إلى إجبار حكومة ناريندرا مودي على قبول استقالة وزير التعليم دارمندرا برادان بعد واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشبابية التي شهدتها الهند في السنوات الأخيرة.
كانت الشرارة تصريحات أثارت غضب الشباب العاطلين والباحثين عن فرص العمل، وشعر كثيرون بأنَّها تصفهم بـ«الصراصير» و«طفيليات المجتمع». وبدلاً من رفض الإهانة، استولى الشباب على الوصف وحولوه إلى شعار للمُقاومة: إذا كنَّا صراصير، فماذا سيحدث عندما تتحد الصراصير؟
قاد هذه الفكرة أبهيجيت ديبكه، المتخصص في الاتصالات السياسية والناشط السابق في الفريق الرقمي لحزب «عام آدمي»، ليؤسس حركة سرعان ما لامست إحباط جيل كامل يُعاني من البطالة وارتفاع تكاليف التعليم وضعف فرص التوظيف وتراجع الثقة في عدالة الامتحانات.
وقد لخّص ديبكه فلسفة الحركة في تغريدة أصبحت لاحقاً رمزاً لانتشارها، إذ كتب في 16 مايو 2026: "What if all cockroaches come together?" أي: «ماذا لو اجتمعت كل الصراصير معاً؟». لم تكن العبارة دعوة حرفية، بل استعارة سياسية ساخرة قلبت الإهانة إلى شعار تعبوي، وأوصلت رسالة مفادها أنَّ الفئات التي يُستهان بها أو تُهمَّش قد تُصبح قوة هائلة إذا توحدت حول قضية مشتركة.
وخلال أيام قليلة تحولت هذه الجملة إلى وسم وشعار ردده ملايين الشباب في الهند، لتصبح الشرارة التي انطلقت منها واحدة من أسرع الحركات السياسية انتشاراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبحسب India Today، أعلن الحزب بعد يومين فقط من تأسيسه انضمام نحو ٤٠ ألف عضو، وهو رقم أعلنته الحركة نفسها ولم تُؤكده جهة مستقلة. لكن ما كان مُؤكداً هو الانفجار الرقمي للحركة؛ إذ تجاوز حسابها على إنستغرام 15 مليون متابع خلال خمسة أيام، ثم تخطى 20 مليوناً خلال أسبوع، متقدماً على حساب حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بزعامة مودي، في سابقة عكست قوة وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل المشهد السياسي.
غير أنَّ المتابعين لم يكونوا مجرد أرقام، بل تحول كثير منهم إلى متطوعين ومنظمين ومشاركين في الاحتجاجات، لتصبح السوشيال ميديا غرفة عمليات مفتوحة تجاوزت الإعلام التقليدي، ونجحت في توحيد أصوات ملايين الشباب حول قضية واحدة.
وجاءت نقطة التحول مع فضيحة تسريب أسئلة الاختبار الوطني للأهلية والقبول للمرحلة الجامعية (National Eligibility-cum-Entrance Test – Undergraduate – NEET-UG)، وهو الامتحان الموحد الذي يُحدد قبول الطلاب في كليات الطب وطب الأسنان والتخصصات الصحية في الهند، ويشارك فيه سنوياً أكثر من مليوني طالب.
ولم يكن تسريب الأسئلة مجرد مُخالفة إدارية، بل اعتبره الطلاب اعتداءً مباشراً على مبدأ تكافؤ الفرص. فآلاف الأسر أنفقت مدخراتها على رسوم التسجيل، والدروس الخصوصية، ومعاهد التدريب، والكتب، والسفر والإقامة، أملاً في أن يحصد أبناؤها ثمرة سنوات من الدراسة والاجتهاد. وعندما انكشف التسريب، شعر كثيرون بأنَّ مستقبلهم قد سُرق، وأن جهودهم وأموال عائلاتهم ضاعت بسبب الفساد والإهمال، بينما استفاد آخرون من الحصول على الأسئلة بطرق غير مشروعة.
ولهذا لم تقتصر مطالب المحتجين على إعادة الامتحان ومحاسبة المتورطين، بل شملت أيضاً تعويض المتضررين وإصلاح منظومة الامتحانات بالكامل، مع مُطالبات بتقديم تعويضات مالية للأسر التي تكبدت خسائر كبيرة، وبخاصة عائلات الطلاب الذين فقدوا حياتهم وسط الضغوط النفسية المرتبطة بالأزمة.
ومع اتساع الاحتجاجات في ساحة جانتار مانتار بنيودلهي، لم تعد المطالب مقتصرة على وزير التعليم دارمندرا برادان، بل امتدت إلى ناريندرا مودي رئيس الوزراء باعتباره المسؤول السياسي الأول عن أداء الحكومة، كما طالت الانتقادات أميت شاه وزير الداخلية بسبب تعامل الشرطة مع المُحتجين، وسوريا كانت رئيس المحكمة العليا، الذي كانت تصريحاته الشرارة التي أطلقت الحركة، إضافة إلى المطالبة بمحاسبة مسؤولي الوكالة الوطنية للاختبارات (NTA) المشرفة على الامتحانات.
وفي النهاية، كانت استقالة دارمندرا برادان هي أول انتصار سياسي واضح للحركة، بينما تعهدت الحكومة بإصلاح منظومة الامتحانات وتشديد العقوبات على جرائم تسريب الأسئلة.
لقد كشفت تجربة «حزب الصراصير» أنَّ القوة السياسية في العصر الرقمي لم تعد حكراً على الأحزاب التقليدية. فحركة بدأت بصورة ساخرة ومنشور على وسائل التواصل نجحت خلال أسابيع في تحريك الشارع، وإرباك أقوى حزب سياسي في الهند، وإجبار الحكومة على تقديم أول تنازل كبير لها.
قد لا يتحول «حزب الصراصير» إلى حزب يحكم الهند، لكن ما حققه حتى الآن يُؤكد أن جيلاً كاملاً وجد أخيراً لغة يُعبر بها عن غضبه. وفي بلد يزيد عدد سكانه على 1.4 مليار نسمة، أثبتت هذه التجربة أنَّ الثورة قد تبدأ اليوم بصورة ساخرة وهاتف محمول، لكنها قد تنتهي بإسقاط وزير... وتهز عرش رئيس الوزراء نفسه.
