غرفة تجارة وصناعة عُمان: هل نحتاج إلى رئيس أقوى أم مؤسسة أقوى؟

 

 

 

 

سهام بنت أحمد الحارثية

siham@sihamdevelopment.com

 

 

مع اقتراب نهاية الدورة الحالية لمجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان، ينشغل الكثيرون بالأسماء والمرشحين والانتخابات المقبلة، لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يشغل المنتسبين ليس من سيكون الرئيس المقبل؛ بل أي غرفة نريد أن نراها في المستقبل؟

فالقضية الحقيقية ليست الأشخاص، وإنما المؤسسة!

لقد أُنشئت الغرفة لتكون الممثل الشرعي للقطاع الخاص العُماني بكل مكوناته؛ الصناعة والتجارة والسياحة والخدمات والتقنية والنقل واللوجستيات والزراعة والثروة السمكية والتعدين وغيرها من القطاعات التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع مؤسسة تُمثِّل هذا التنوع الواسع أن تعتمد في قراراتها وأولوياتها على دائرة ضيقة من صُنَّاع القرار؟ أم أن المرحلة المقبلة تتطلب نموذجًا أكثر مؤسسية يشارك فيه الجميع؟

التجارب الناجحة حول العالم تؤكد أن قوة المؤسسات لا تقاس بقوة رئيسها، بل بقوة أنظمتها وقدرتها على إشراك أصحاب المصلحة في صناعة القرار؛ فالرئيس مهما كانت خبرته وكفاءته يبقى جزءًا من منظومة أكبر، بينما تبقى المؤسسة وتستمر بعد تعاقب الأشخاص عليها.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الغرفة في السنوات القادمة ليس تغيير الوجوه، وإنما تغيير أسلوب العمل؛ فالقطاعات الاقتصادية يجب أن تكون المُحرِّك الأساسي لعمل الغرفة، وينبغي أن تمتلك اللجان القطاعية دورًا أكبر في تحديد الأولويات ورفع التوصيات ومتابعة التنفيذ وقياس النتائج. فالقطاع السياحي أدرى بتحدياته، والقطاع الصناعي أقدر على تشخيص احتياجاته، وقطاع التقنية أكثر فهمًا للفرص التي يمكن أن تدفع الاقتصاد نحو المستقبل.

كما أن فروع الغرفة في المحافظات يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار، لا مجرد أذرع تنفيذية، فاحتياجات المستثمرين في ظفار تختلف عن احتياجاتهم في الباطنة أو الداخلية أو مسندم، ولا يمكن إدارة هذا التنوع الاقتصادي الكبير بعقلية مركزية واحدة.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الغرفة إلى تعزيز الشفافية وربط المبادرات والبرامج بمؤشرات أداء واضحة يمكن للمنتسبين متابعتها وتقييمها؛ فالسؤال لم يعد كم فعالية نظمت، أو كم وفدًا شارك، بل ما الأثر الاقتصادي الذي تحقق؟ وما القيمة التي عادت على القطاع الخاص من هذه الجهود؟

إنَّ المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الغرفة من ثقافة النشاط إلى ثقافة الأثر، ومن مركزية القرار إلى المشاركة، ومن الاعتماد على الأشخاص إلى الاعتماد على المؤسسات؛ فالانتخابات المقبلة ليست مجرد منافسة على المقاعد، وإنما فرصة لإعادة التفكير في نموذج العمل بأكمله.

إننا نحتاج إلى رئيس يقود فريقًا لا يعمل منفردًا، وإلى مجلس إدارة يُمكِّن القطاعات لا يتحدث نيابة عنها، وإلى فروع تشارك في صناعة القرار لا تكتفي بتنفيذه.

الغرفة التي يحتاجها القطاع الخاص العُماني اليوم ليست غرفة تتمحور حول الرئيس، بل غرفة تتمحور حول المُنتَسِب.

وعندما تصبح القطاعات الاقتصادية واللجان والفروع شريكًا حقيقيًا في صنع القرار، وعندما تقاس الإنجازات بالأثر لا بالمظاهر، وعندما تصبح المؤسسة أقوى من الأشخاص، عندها فقط يمكن القول إن الغرفة تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله.

المستقبل لا يحتاج إلى رئيس أقوى.. المستقبل يحتاج الى غرفة أقوى.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z