تنظيم جريمة الرشوة في القطاع الخاص

 

 

حيدر بن عبدالرضا اللواتي

haiderdawood@hotmail.com

يمثّل القطاع الخاص إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني في مختلف دول العالم، إذ يضطلع بدور محوري في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، وتنشيط الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الإنتاج والتصدير، إلى جانب مساهمته في تطوير مختلف القطاعات الخدمية والصناعية.

ومن هذا المنطلق، تحرص الحكومات على تهيئة البيئة المناسبة لنمو هذا القطاع، من خلال سن التشريعات التي تضمن حرية النشاط الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تكفل حماية الأسواق من الممارسات غير المشروعة التي قد تضر بالمنافسة العادلة أو تمس حقوق الأفراد والمؤسسات.

وفي سلطنة عُمان، أثبت القطاع الخاص خلال السنوات الماضية قدرته على الإسهام الفاعل في دعم الاقتصاد الوطني، ونجح في استقطاب استثمارات محلية وأجنبية، كما شهد توسعًا ملحوظًا في مختلف الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية. غير أن هذا التطور، شأنه شأن أي قطاع اقتصادي، يفرض ضرورة وجود منظومة قانونية متطورة تكفل تعزيز النزاهة والشفافية، وتتصدى لأي ممارسات قد تؤثر في عدالة المنافسة أو تخل بثقة المستثمرين، ومن أبرزها جريمة الرشوة في القطاع الخاص.

وقد تنشأ بعض ممارسات الفساد نتيجة استغلال بعض الموظفين أو المديرين لمواقعهم الوظيفية للحصول على منافع أو مزايا غير مشروعة، سواء داخل الشركات أو في تعاملاتها مع الجهات الأخرى، بما يؤدي إلى الإضرار بمصالح المؤسسات، والإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، ومنح امتيازات أو عقود بعيدًا عن معايير المنافسة العادلة.

ويرى عدد من المختصين أن بعض مظاهر الرشوة قد تجد بيئة مواتية في حالات تأخر إنجاز المعاملات، أو تعقيد الإجراءات الإدارية، أو بطء صرف المستحقات المالية، وهو ما قد يدفع بعض ضعاف النفوس إلى اللجوء إلى وسائل غير مشروعة لتسريع الإجراءات أو الحصول على حقوقهم. إلا أن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على العقوبات الجزائية فحسب، وإنما تمتد أيضًا إلى تطوير الإجراءات الإدارية، والحد من البيروقراطية، وتسريع دورة العمل، بما يغلق المنافذ التي قد تُستغل في ارتكاب مثل هذه الجرائم.

وفي هذا الإطار، يمثل صدور المرسوم السلطاني رقم (66/2026) خطوة تشريعية مهمة في تطوير المنظومة القانونية العُمانية لمكافحة الفساد، حيث أدخل تعديلات جوهرية على قانون الجزاء، واستحدث بابًا مستقلًا بعنوان: "الباب الخامس مكرر: جريمة الرشوة في القطاع الخاص"، بعد أن كانت هذه الجريمة تُنظَّم بنص محدود في المادة (146) من قانون العمل، التي أُلغي العمل بها. ويعكس هذا التعديل انتقال تنظيم الرشوة في القطاع الخاص من نطاق قانون العمل إلى قانون الجزاء، بما يجسد توجهًا تشريعيًا أكثر شمولًا وحزمًا في مواجهة جرائم الفساد الاقتصادي.

ويحقق هذا المرسوم جملة من الأهداف التشريعية المهمة، من أبرزها سد الفراغ التشريعي في مكافحة الرشوة داخل القطاع الخاص، وتوحيد الأحكام المتعلقة بجرائم الرشوة ضمن قانون الجزاء، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، ورفع جاذبية البيئة الاستثمارية، وحماية الشركات والمستثمرين من الممارسات غير المشروعة، فضلًا عن ترسيخ مبادئ النزاهة والحوكمة والشفافية، التي أصبحت من أهم معايير تنافسية الاقتصادات الحديثة.

كما يعكس هذا التعديل تحولًا في الفلسفة التشريعية، إذ أصبحت الرشوة في القطاع الخاص تُعد جريمة فساد اقتصادي مستقلة، وليست مجرد مخالفة مرتبطة بعلاقة العمل. ويؤكد ذلك تنامي الاهتمام بحماية الاقتصاد الوطني من المخاطر التي تهدد سلامة النشاط التجاري والاستثماري، انسجامًا مع أفضل الممارسات القانونية الدولية.

ويذهب العديد من القانونيين إلى أن هذه التعديلات ستسهم في دعم القطاع الخاص أكثر مما ستفرض عليه أعباءً إضافية، إذ إن وجود إطار قانوني واضح يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المنافسة في السوق العُماني تقوم على الكفاءة والاستحقاق، بعيدًا عن الرشوة أو استغلال النفوذ. كما توفر هذه التشريعات حماية أكبر للشركات الملتزمة بالقانون، وتعزز أنظمة الحوكمة والامتثال المؤسسي، وتطور آليات فعالة للإبلاغ عن الفساد، وهي جميعها ممارسات أصبحت معيارًا أساسيًا في الأسواق العالمية، وتسهم في رفع كفاءة المؤسسات وتحسين سمعتها وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات.

ولا شك أن تطبيق هذه التشريعات قد يترتب عليه، في المرحلة الأولى، زيادة اهتمام الشركات بتوثيق إجراءاتها، وتعزيز أنظمة الرقابة الداخلية، ورفع مستوى الامتثال القانوني، وهو ما قد يضيف بعض التكاليف الإدارية، إلا أنها تمثل استثمارًا طويل الأجل في حماية المؤسسات وتعزيز استدامة أعمالها.

وفي المحصلة، فإن نجاح هذه الإصلاحات التشريعية لن يعتمد على العقوبات وحدها، وإنما على تكاملها مع تطوير الإجراءات الحكومية، وتسريع إنجاز المعاملات، والحد من البيروقراطية، وصرف المستحقات المالية في مواعيدها، بما يعزز الثقة بين القطاعين العام والخاص، ويهيئ بيئة أعمال أكثر نزاهة وشفافية وتنافسية. ومن شأن ذلك أن يدعم الاقتصاد الوطني، ويرفع جاذبية سلطنة عُمان للاستثمارات، ويكرس مكانتها كبيئة قانونية مستقرة تقوم على سيادة القانون وعدالة المنافسة.

 

الأكثر قراءة

z