حيدر بن عبدالرضا اللواتي
تبذل الدولة جهودًا مستمرة للارتقاء بمنظومة التعليم، وتعتبره أحد أهم الاستثمارات الاستراتيجية لبناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة، وإعداد أجيال قادرة على قيادة المشاريع المستقبلية في السلطنة، بما في ذلك المشروعات الصناعية واللوجستية والتكنولوجية التي تشهدها المناطق الصناعية والحرة في البلاد.
فالاهتمام بجودة التعليم لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أصبح أساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية. فكلما ارتفع مستوى التعليم، ازدادت قدرة الدولة على إعداد كوادر مؤهلة للعمل والإبداع والابتكار، وتحسين الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التنافسية العالمية.
ومن أهم أسباب اهتمام الدول بجودة التعليم هو من أجل تنمية رأس المال البشري؛ باعتبار أن الموارد البشرية المؤهلة تعد الثروة الحقيقية لأي دولة. كما أن التعليم الجيد يعمل على دعم النمو الاقتصادي ويسهم في إعداد القوى العاملة التي تحتاجها الأسواق والصناعات الحديثة، بالاضافة إلى تعزيز الابتكار والبحث العلمي من خلال الجامعات ومراكز البحث التي تسهم في تطوير التقنيات والحلول الجديدة. كما أن جودة التعليم تعمل على خفض معدلات البطالة والفقر من خلال تزويد الأفراد بالمهارات المطلوبة لسوق العمل، بالاضافة إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي ورفع مستوى الوعي والمسؤولية والمشاركة المجتمعية، بجانب مواكبة التطورات العالمية خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والاقتصاد المعرفي.
وسلطنة عُمان ومنذ السبعينيات من القرن الماضي، أولت قطاع التعليم اهتمامًا كبيرًا وتوسعت في إنشاء المدارس والجامعات والكليات والمعاهد المتخصصة. كما ركزت خلال السنوات الأخيرة على تحسين جودة التعليم وربطه باحتياجات الاقتصاد الوطني وأهداف رؤية "عُمان 2040"، من خلال تطوير المناهج الدراسية لتواكب المتغيرات العلمية والتكنولوجية، وتعزيز التعليم التقني والمهني لتلبية احتياجات سوق العمل، ودعم الابتعاث الداخلي والخارجي للطلبة، والتوسع في برامج البحث العلمي والابتكار، بالإضافة إلى تشجيع الشراكات بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص. وكل ذلك يتحقق من أجل مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتطوير المهارات الرقمية واللغوية، من خلال زيادة الإنفاق على البحث العلمي، وتعزيز جودة بعض التخصصات الأكاديمية والمهنية.
كما أن اهتمام الجهات المعنية بالتعليم وتطويرها يتحقق من خلال حصول الطلبة على فرص تعليمية ذات جودة عالية التي تناسب إمكاناتهم وقدراتهم وطموحاتهم المستقبلية عند الانخراط في سوق العمل. وفي المرحلة ما قبل الجامعية تدعم الوزارة خططها التي تتطلب التطوير المستمر للأنظمة الإلكترونية الخاصة بالتقدم للجامعات والمعاهد الدراسية المتواجدة بالبلاد وخارجها والتنافس على البعثات المخصصة للطلاب الجامعيين. إضافة إلى ذلك تعمل الوزارة على تعزيز خدمات الإرشاد والتوعية للطلبة من خلال الأدلة الإرشادية، والبيانات واللقاءات التعريفية ليتمكنوا من اتخاذ قرار اختيار المؤسسات الجامعية والتخصصات المطلوبة بما يتواءم السوق العُماني واحتياجات المؤسسات الخاصة.
وتشير بيانات القبول للعام الأكاديمي الحالي 2025/2026، إلى أن غالبية المقبولين من خريجي الصفوف الثاني عشر تم توزيعهم على تخصصات ترتبط بصورة مباشرة بالقطاعات الاقتصادية والخدمية الرئيسية؛ الأمر الذي يعزز علاقة هؤلاء الطلبة بالتنمية الاقتصادية واحتياجات سوق العمل في المستقبل. وتتجه اختيارات الطلبة نحو توجهات تتعلق في الأعمال الإدارية والمعاملات التجارية في المرتبة الأولى تليها الهندسة والتقنيات ذات الصلة، ثم تكنولوجيا المعلومات، والمجتمع والثقافة، والصحة وفروعها، ومجالات التربية، والفنون الإبداعية، والعلوم الطبيعية والفيزيائية، والزراعة والبيئة والعلوم المرتبطة بها، والعمارة والإنشاء، والدين والفسلفة.
وفي كل عام نجد أن أعداد المقاعد الدراسية الجامعية في تزايد نظرًا لارتفاع عدد خريجي المدارس؛ الأمر الذي يتطلب توفير اختبارات القدرات قبل قبولهم في الجامعات، بالاضافة إلى الاستعداد الأكاديمي لهم في منظومة التعليم العالي والتخصصات المتوفرة.
وتستمر وزارة التعليم في إجراء التحسينات اللازمة على المحتوى الدراسي وآليات تنفيذه في مختلف مراحل التعليم إيمانا منها بأهمية جودة التعلّم، وضرورة استيعاب الطلبة لها وقدرتهم على توظيفها عند بداية مشاوير عملهم اليومي؛ فالوزارة المعنية تُبدي الاهتمام الكبير لأهداف ومخرجات التعلم على قياس المعارف والمهارات والقدرات العليا بصورة متوازنة، وحرصها على تعزيز تدريب الطلبة وتأهيليهم ورفع جاهزيتهم في جميع تلك المسائل، بالإضافة إلى مساعدتهم في التغلب على التحديات المصاحبة لهم في مجال الاختبارات، وتعريفهم بالأمور التي تهمهم في اختيار تخصصاتهم الدراسية في مؤسسات التعليم العالي، ودفعهم في التخصصات التي تتوافق مع ميولهم وتوجهاتهم المستقبلية.
