تدمير التراث اللبناني.. عدوان وتواطؤ وخيانة

 

 

 

جان يعقوب جبور

منذ اندلاع المواجهات المتكررة بين الكيان الصهيوني ولبنان، لم تعد الحروب تقتصر على استهداف المواقع العسكرية أو البنى التحتية التقليدية؛ بل امتدت إلى ما هو أعمق وأكثر خطورة: الذاكرة الجماعية والتراث الحضاري والثقافي للبنان؛ فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار العمراني؛ بل أيضًا بقدرتها على محو الهوية الوطنية وتشويه التاريخ وإضعاف الروابط بين الإنسان وأرضه وتاريخه.

وفي الحالة اللبنانية، تتداخل الاعتداءات العسكرية مع الانقسامات الداخلية والتجاذبات السياسية وتعاطف بعض الداخل مع الكيان الصهيوني بالإضافة إلى الدعم الخارجي لتشكّل بيئة تسمح باستنزاف الإرث الحضاري اللبناني على نحو غير مسبوق.

خلال اجتياح عام 1982، لم يكن التدمير الإسرائيلي يقتصر على الجنوب اللبناني أو العاصمة بيروت؛ بل أصاب الحياة الثقافية والفكرية بشكل مباشر. فالقصف الذي طال بيروت الغربية أدى إلى تدمير مكتبات ومراكز ثقافية وأحياء تاريخية عريقة. كما تعرضت مؤسسات إعلامية وثقافية للقصف، بينها مراكز أرشيف وصحف لعبت دورًا محوريًا في توثيق التاريخ اللبناني والعربي. وقد وثقت منظمات دولية آنذاك تضرر العديد من المباني التراثية في بيروت وصيدا وصور، وهي مدن تحمل إرثًا حضاريًا يعود إلى آلاف السنين. ولا ننسى احتلال العدو للمتحف اللبناني وتدمير عدد من آثاره وتحويله آنذاك إلى ثكنة عسكرية.

في حرب تموز/ يوليو عام 2006، عاد المشهد بصورة أكثر قسوة. فقد تعرضت مدينة صور، المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1984، لتهديد مباشر نتيجة القصف المكثف على محيطها. كما استهدفت الغارات الإسرائيلية الجسور والطرق المؤدية إلى المواقع الأثرية، ما أعاق عمليات الحماية والترميم. وفي بلدة الخيام، أدى القصف إلى تدمير أجزاء واسعة من المعالم المرتبطة بتاريخ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، ومنها معتقل الخيام الذي تحوّل بعد التحرير عام 2000 إلى شاهد على مرحلة سوداء من تاريخ لبنان. وفي عام 2006، تعرض المعتقل لغارات إسرائيلية دمّرت أجزاءً كبيرة منه، في خطوة رأى فيها كثيرون محاولة لمحو الذاكرة المرتبطة بجرائم الاحتلال.

أما في المواجهات التي تصاعدت بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد اتخذت الاعتداءات بعدًا أكثر اتساعًا، خصوصًا في القرى الجنوبية الحدودية. فقد تعرضت بلدات مثل عيتا الشعب، ويارون، وميس الجبل، وكفركلا، ومارون الراس، لقصف عنيف أدى إلى تدمير أحياء قديمة وبيوت حجرية تراثية يعود بعضها إلى العهد العثماني. كما تضررت كنائس ومساجد ومقامات تاريخية شكّلت جزءًا من الهوية المتنوعة للجنوب اللبناني. وأشارت تقارير محلية ودولية إلى استخدام ذخائر حارقة في مناطق زراعية وغابات تضم أشجار زيتون معمّرة، بعضها يتجاوز عمره مئات السنين، وهو ما يمثل خسارة بيئية وتراثية في آن واحد. ومجددًا يعمد العدو الصهيوني على تدمير شامل لمدينة صور الأثرية مع صمت شبه كامل للسلطة اللبنانية والخارجية اللبنانية بدون تسطير أي شكوى من الحكومة اللبنانية للمحافل الدولية وخاصة منظمة اليونيسكو.

التراث اللبناني لا يقتصر على الأبنية القديمة والمعابد والكنائس؛ بل يشمل أيضًا النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. فعندما تُدمّر وتُهجّر القرى الجنوبية ويُجبر أهلها على النزوح، تنقطع العلاقة بين السكان وأرضهم وتراثهم المحلي. وتتحول القرى المهجورة إلى مناطق مهددة بالاندثار الثقافي. هذه الظاهرة ظهرت بوضوح بعد تصعيد عام 2023 وخلال العدوان الحالي حيث نزح مئات الآلاف من أبناء الجنوب، وأغلقت مدارس ومؤسسات ثقافية ومكتبات محلية كانت تحفظ جزءًا من ذاكرة المنطقة.

لكن المعضلة لا ترتبط فقط بالفعل العسكري الإسرائيلي؛ بل أيضًا بعوامل داخلية لبنانية ساهمت في إضعاف حماية التراث الوطني. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، عانى لبنان من غياب استراتيجية وطنية جدية لحماية الآثار والمباني التراثية. ففي بيروت مثلًا، أُزيلت عشرات الأبنية التاريخية خلال مشاريع إعادة الإعمار التي قادتها شركة "سوليدير" في تسعينيات القرن الماضي، وسط اتهامات بتغليب المصالح العقارية والاستثمارية على الحفاظ على الهوية التاريخية للعاصمة. وقد انتقد معماريون ومؤرخون لبنانيون، مثل الراحل الدكتور كمال الصليبي وعدد من الجمعيات التراثية، عمليات الهدم التي طالت أحياء تقليدية وأسواقًا قديمة كانت شاهدة على تاريخ بيروت المتنوع.

كما أن الانقسام السياسي اللبناني الحاد والعامودي وتواطؤ بعض الداخل من أحزاب وميليشيات الحرب الأهلية وسياسيين مع الكيان الصهيوني، ساهم في تسييس ملف التراث؛ فكل فريق سياسي تعامل مع الذاكرة الوطنية من زاوية مصالحه وتحالفاته، ما أدى إلى غياب سردية وطنية موحدة حول الحرب والاحتلال والمقاومة. هذا الانقسام جعل حماية التراث أولوية ثانوية أمام الحسابات الحزبية والطائفية الضيقة. وفي أحيان كثيرة، جرى تجاهل تدمير مواقع تاريخية أو عدم توثيقها بشكل علمي بسبب حساسية الانتماءات السياسية للمناطق المتضررة. الدعم الخارجي بدوره لعب دورًا معقدًا؛ فبعض الدول الغربية التي تؤكد رسميًا أهمية حماية التراث العالمي، واصلت في الوقت نفسه تقديم الدعم العسكري والسياسي للكيان الصهيوني خلال حروبها على لبنان. وقد أثارت منظمات حقوقية تساؤلات حول ازدواجية المعايير الدولية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمواقع التراثية العربية. ففي حين تحظى مواقع أوروبية باهتمام عالمي واسع عند تعرضها للخطر، غالبًا ما تمر الأضرار التي تصيب التراث اللبناني دون ضغط دولي فعلي أو إجراءات رادعة. وهذا يدل على ضعف السلطات اللبنانية وانتمائها للخارج.

وفي المقابل، استُخدِمت المساعدات الدولية أحيانًا بطريقة سياسية داخل لبنان، حيث ارتبطت مشاريع إعادة الإعمار أو الترميم بحسابات النفوذ الإقليمي والدولي. بعد حرب 2006 مثلًا، دخلت أطراف خارجية متعددة على خط إعادة إعمار الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، وتحولت بعض مشاريع الإعمار إلى أدوات نفوذ سياسي وإعلامي، بدلًا من أن تكون جزءًا من رؤية وطنية شاملة للحفاظ على الهوية العمرانية والثقافية. وهنا لعبت السياسة الطائفية والمذهبية دورًا كبيرًا في تحويل هذه المساعدات لمحسوبيات دينية وسياسية بعيدة عن البيئة المتضررة من خلال الاعتداءات والعدوان. ولا يمكن إغفال الدور الإعلامي في هذه الحرب على الذاكرة؛ فالإعلام الحديث وشبكات التواصل الاجتماعي والتبعية يسهمون في تحويل الدمار إلى مشهد عابر يفقد معناه التاريخي والإنساني. الصور تنتشر بسرعة، لكن التوثيق العميق ومعرفة التاريخ للمعالم المدمرة والسياقات التاريخية يبقيان محدودين. وهنا تكمن خطورة أخرى، لأن الأمم التي لا توثق خسائرها الثقافية تصبح أكثر عرضة لنسيانها مع مرور الزمن.

إنَّ استهداف التراث اللبناني لا يعني فقط تدمير حجارة أو أبنية قديمة؛ بل ضرب فكرة لبنان نفسها بوصفه مساحة تاريخية للتنوع الثقافي والديني والحضاري. فمن صور وصيدا إلى بعلبك وبيروت والجنوب، يحمل لبنان تراكمات حضارية فينيقية ورومانية وعربية وعثمانية وحديثة، وكل تدمير يصيب هذه المعالم يترك جرحًا يتجاوز الجغرافيا إلى الوعي الوطني والذاكرة الجماعية. وفي ظل غياب توافق داخلي حقيقي حول مفهوم الدولة والسيادة والهوية الوطنية وفي ظل تواطؤ بعض الداخل مع الخارج بما فيه الكيان الصهيوني، يبقى التراث اللبناني مكشوفًا أمام الحروب والصراعات الإقليمية؛ فالحفاظ على الحضارة لا يتحقق فقط عبر ترميم الأبنية بعد القصف؛ بل عبر بناء دولة تمتلك مشروعًا وطنيًا يحمي الإنسان والذاكرة معًا، ويمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية على حساب ثقافته تاريخه ومستقبله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z