شواطئنا.. رئة الحياة ومسؤوليتنا المشتركة

 

 

 

تأملات من تجربة شخصية في شاطئ العذيبة ودعوة لحماية كنوزنا الطبيعية

د. ناصر الطائي

هناك أماكن لا نزورها فقط؛ بل تصبح جزءًا من ذاكرتنا، ومن توازننا النفسي، ومن إيقاع حياتنا اليومية. بالنسبة لي، كان ولا يزال شاطئ العذيبة واحدًا من تلك الأماكن. على امتداد سنوات، وجدت نفسي أعود إليه بصورة تكاد تكون يومية؛ أبحث عن السكينة التي يمنحها البحر، وعن صوت الأمواج وهي تلامس الرمال برفق، وعن إلهام شعري وموسيقي يتراقص مع أمواج البحر وأنغام النوارس، وعن ذلك المشهد الهادئ الذي تتعانق فيه السماء مع الأفق في لوحة طبيعية يصعب أن تتكرر، خصوصًا عند الغروب الساحر.

في شاطئ العذيبة، لطالما شعرت أن الطبيعة تمنحنا درسًا صامتًا في الجمال والتوازن. نقاء الهواء، وانسياب النسيم البحري، وامتداد الرمال، وهدوء المكان؛ كلها عناصر جعلت من هذا الشاطئ متنفسًا صحيًا للعائلات والأطفال والرياضيين ومحبي التأمل والمشي. إنه ليس مجرد مساحة جغرافية؛ بل مساحة إنسانية تحمل قيمة اجتماعية وصحية وروحية عميقة.

غير أن هذا الجمال الذي عهدناه بدأ يواجه تحديات متزايدة مع النمو السكاني واتساع الإقبال على الشواطئ؛ فكلما ازداد عدد الزوار، ظهرت ممارسات تؤثر تدريجيًا على نقاء المكان وسلامته البيئية.

كان المشهد في يوم الجمعة الماضي، على وجه الخصوص، صادمًا ومؤلمًا. امتد خط طويل على الرمال مغطى بالسواد الناتج عن الفحم المحترق، مخلوطًا بأكياس بلاستيكية زرقاء غير قابلة للتحلل، بقايا متراكمة لعمليات الشواء المتكررة واستخدام الشيشة على الشاطئ. لم يكن الأمر مجرد أثر بصري غير جميل؛ بل كان رسالة واضحة بأننا بدأنا نفقد شيئًا من روح المكان ونقائه.

ولكي أكون صريحًا، أنا لست ضد الشواء العائلي على الشاطئ. على العكس تمامًا، أؤمن أن التجمعات العائلية والأنشطة المشتركة تصنع أجمل الذكريات، وتعزز الروابط الاجتماعية بين أفراد الأسرة. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نمارس هذه الأنشطة؟ بل كيف نمارسها؟

إذا كان الشواء جزءًا من الثقافة الترفيهية للعائلات؛ فينبغي أن يتم ضمن مساحات مهيأة ومخصصة، مزودة بوسائل آمنة للتعامل مع الفحم والغاز، ومجهزة بأنظمة للتخلص من المخلفات بطريقة تحافظ على البيئة. وربما يكون الاتجاه نحو استخدام الشوايات الغازية الحديثة أكثر أمانًا ونظافة، ويحد من الآثار البيئية السلبية.

أما تدخين الشيشة على الشواطئ، فموقفي منه أكثر وضوحًا وحزمًا؛ فالشاطئ مساحة صحية بطبيعته؛ يلجأ الناس إليه هربًا من ضغوط الحياة، طلبًا للهواء النقي، ولممارسة الرياضة، أو لقضاء وقت آمن مع أطفالهم. ومن غير المنطقي أن تتحول هذه المساحة إلى بيئة يتعرض فيها الأطفال والعائلات لدخان يضر بالصحة، ويؤثر على جودة الهواء، ويترك انطباعات سلبية لدى أطفالنا.

ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد؛ فمن القضايا المقلقة أيضًا مسألة السلامة العامة على الشواطئ. كثيرًا ما تُقاطع لحظات لعب الأطفال أو ممارسة الرياضة أو حتى المشي الهادئ بسبب دخول المركبات ذات الدفع الرباعي إلى مناطق قريبة من التجمعات العائلية، أحيانًا بسرعات متهورة. كما أن استخدام الدراجات الرباعية (Quad Bikes) بالقرب من الأُسر يثير مخاوف حقيقية تتعلق بالسلامة والضوضاء والتلوث البيئي.

إن الشواطئ ينبغي أن تكون مساحةً للأمان قبل أن تكون مساحةً للترفيه، وملاذًا للتنفس النقي واستنشاق هواء البحر العليل، لا ساحةً للعوادم الضارة ومصادر التلوث التي تنتقص من نقاء الطبيعة وصفاء المكان وجمالياته الروحانية.

وفي المقابل، من الجميل أننا بدأنا نشهد توسعًا في بدائل ترفيهية أكثر تنظيمًا وصحة، مثل الدراجات المائية، وقوارب النزهة، ورياضات البحر، وركوب الخيل، وبعض الأنشطة العائلية التي تضيف قيمة للمكان دون أن تنتقص من هدوئه وجماله. نعم، لا تخلو أي أنشطة من مخاطر محتملة، لكن وجود تنظيم واضح وإجراءات سلامة مدروسة يجعلها خيارات أكثر توازنًا.

ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لإطلاق رؤية وطنية متكاملة لتطوير شواطئنا، بالشراكة بين الجهات المعنية، وعلى رأسها بلدية مسقط ووزارة التراث والسياحة، لوضع خطة رئيسة شاملة تضمن استدامة شواطئنا وسلامتها للأجيال القادمة.

هذه الرؤية يمكن أن تشمل عددًا من الإجراءات المهمة، منها:

• منع دخول المركبات، أيًا كانت، إلى حدود الشواطئ المخصصة للجلوس أو السباحة.

• تنظيم أو منع استخدام الدراجات الرباعية في المناطق الساحلية العامة.

• منع تدخين الشيشة داخل نطاقات الشواطئ العائلية.

• منع استخدام الفحم في مناطق غير مجهزة.

• فرض رقابة صارمة على رمي المخلفات البلاستيكية والزجاج والأكياس.

• تعزيز حملات التوعية البيئية والمسؤولية المجتمعية.

لكن التنظيم وحده لا يكفي؛ فالمجتمع يحتاج أيضًا إلى بدائل مدروسة. لذلك، فإن مسؤولية الجهات المعنية تتمثل في توفير بنية أساسية تليق بقيمة شواطئنا، تشمل:

• مواقف سيارات حديثة ومعبدة، ذات مداخل ومخارج واضحة ومنظمة.

• مسارات مخصصة للمشي والجري وركوب الدراجات، ذات أرضيات ملائمة تراعي الجوانب الصحية ومعايير السلامة، ومحددة بوضوح بالألوان والعلامات الإرشادية، بما يحقق السلامة والانسيابية لجميع المستخدمين.

• مرافق صحية نظيفة وعملية، تراعي احتياجات الأسر والأطفال وكبار السن، وتوفر بيئة مريحة للجميع.

• مناطق مهيأة للجلوس والشواء الآمن وفق اشتراطات بيئية محددة.

• إضاءة مناسبة وعناصر جمالية تعزز تجربة الزائر دون الإضرار بالطبيعة.

إن الشواطئ ليست مجرد أماكن ترفيه؛ إنها رئة مدننا، ومساحة تنفسنا الجماعية، وامتداد لصحتنا الجسدية والنفسية. إنها المكان الذي نهرب إليه لنستعيد توازننا، ولنمنح أبناءنا ذكريات جميلة مرتبطة بالطبيعة والتأمل في جمال الكون. ولا يمكن أن نسمح بأن تفقد هذه المساحات قيمتها بسبب ممارسات محدودة تؤثر على نقائها وسلامتها.

والحفاظ على شواطئنا ليس مسؤولية الحكومة وحدها، ولا البلدية وحدها؛ بل هو مسؤولية تبدأ من الفرد والأسرة والمجتمع، ثم تتكامل مع المؤسسات الرسمية.

وحين نحمي البحر، نحن نحمي أنفسنا. وحين نحافظ على الرمال نظيفة، فإننا نترك أثرًا حضاريًا يعكس قيمنا. وحين نعلم أبناءنا احترام البيئة، فإننا لا نبني شاطئًا أجمل فحسب؛ بل نبني مستقبلًا أجمل لعُمان كلها.

ولعل أعظم ما يمكن أن نورثه لأطفالنا ليس مجرد شواطئ نظيفة؛ بل ثقافة تحترم الطبيعة، وتفهم أن الجمال الحقيقي لا يكمن فيما نأخذه من المكان؛ بل فيما نتركه خلفنا من أثر طيب ومسؤول.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z