لماذا لن يتوقف ترامب عن حرب إيران؟

 

 

 

د. يوسف الشامسي **

في أحدث تجليات الغطرسة الإمبراطورية التي لا تقيم وزنًا للأعراف الدبلوماسية، أعاد دونالد ترامب رسم خطوط الصراع في الشرق الأوسط عبر تغريدة تشبه الإنذار العسكري الموجه لقادة المنطقة، وكعادته في تقمُّص أثواب الزور، يدّعي السلام بينما يرفع عقيرته في خطاب ابتزازيّ مكشوف واضعًا دولًا عربية وإسلامية مركزية أمام خيارية عدمية: إما الانخراط الفوري والكامل في "اتفاقيات أبراهام"، والقبول الضمني بالمرجعية الصهيوأمريكية كإطار وحيد للمنطقة، أو مواجهة مصير العزلة والاستهداف تحت طائلة "العودة إلى جبهة القتال... بشكل أكبر وأقوى".

هذا المنطق -الذي يسعى لتحويل دول ذات عمق تاريخي إلى "كيانات وظيفية" تابعة، مفرغة من قضاياها المركزية ومستلبة الإرادة- لا يمكن قراءته تكتيكا تفاوضيا متشددا، إذ تدخلات الحزب الجمهوري في الشرق الأوسط شاهدة على النقيض. ويكفي لفهم هذا الابتزاز الراهن وجذوره العميقة أن أستحضر من الذاكرة القريبة، من هذيان ترامب ذاته، تغريدة "الإبادة" التي تجاوز فيها ترامب كل الخطوط الحمراء، مهددًا الأمة الإيرانية بمحوها محوا وجوديا شاملا: "حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تعود أبدًا...". هذا الانتقال في الخطاب من "تغيير النظام" إلى "موت الحضارة" يبدو تعبيرا دقيقًا يفضح عقيدة سياسية ترى في "الآخر" نقيضًا وجوديًا يجب استئصاله إذا لم يُسطَع إخضاعه.

وفي تحليل نشرته مجلة "ذا كونفرزيشن" (The Conversation)، وُصِفَت هذه التغريدة بأنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء التي حافظت عليها الرئاسات الأمريكية السابقة، وذهب التحليل إلى أن هذه العبارات لا يمكن تفسيرها إلّا كتهديد مفتوح لجميع المواطنين الإيرانيين البالغ عددهم 93 مليونًا.

وما زاد من خطورة ذلك التهديد، هو سخريته المبطنة في ختامه بعبارة "بارك اللهُ الشعبَ الإيراني"؛ واستخدام لفظ الجلالة "الله" في سياق التوعد بالفناء كان هجومًا مباشرًا على "العقيدة" التي تُشكِّل العمود الفقري لهذه الحضارة، ورسالة مفادها أن تمسككم بإيمانكم لن يعصمكم من البطش الأمريكي.

هذه العربدة السياسية على مستوى الخطاب والابتزاز العلني لقادة دول الشرق الأوسط تكشف بجلاء أن المحرك الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية، في نسختها الجمهورية والترامبية تحديدًا، لا يزال أسيرًا لنبوءة صامويل هنتنجتون حول "صدام الحضارات". ما تزال تلك النظرية تمثل الغطاء الأيديولوجي الأمثل لشرعنة الهيمنة الأمريكية، محولة الأطماع الاقتصادية والجيوسياسية للسيطرة على موارد الطاقة إلى "دفاع مقدس" عن الحضارة الغربية ضد "الهمج" من الحضارات الأخرى. وفق هذا المنظور، لا يوجد مكان للتعايش الندّي؛ فإما أن تكون "حضارة تابعة" خانعة (كما يراد لدول الشرق الأوسط عبر الابتزاز الأخير وبالتالي تتخلى عن خصوصيتها الحضارية المستقلة)، أو أن تكون "حضارة مارقة" يجب سحقها (كما هو الحال مع إيران وأمثالها).

ومنطق "تغيير النظام" الذي يلوح به ترامب ضد إيران سيمتد حتمًا إلى هذه الدول بعد أن تذوب في الحلف الغربي، لأن الجدلية الهنتنجتونية -كما يتبناها النظام الصهيوأمريكي- لا تعترف بشركاء أحرار، بل بعملاء طائعين يقودهم الكاوبوي الأبيض.

في مواجهة هذا التهديد الوجودي الذي يستهدف "الحضارة" و"العقيدة" معًا، تُدرك إيران أن البقاء لا يعتمد على المناورات السياسية وحدها، أو بالقوة العسكرية المتوفرة، إنما بقاؤها يكمن في امتلاك أسباب القوة الحضارية الصلبة. وركيزة ذلك هو العلم والمعرفة، لذلك سعت -وما تزال- إيران لتوطين التكنولوجيا النووية لتكون "درع سيادة" وجودي للدولة. فالحرب الشعواء واغتيال العلماء الإيرانيين لهو أوضح برهان على أن المعركة بين التحالف الصهيوأمريكي وبين الدول الإسلامية في الشرق الأوسط تتمحور ضد "العقل الحضاري" لمنعه من امتلاك أدوات الردع.

في المقابل، نجد دولًا كأذربيجان، التي تُعد جغرافيًا وتاريخيًا امتدادًا للحضارة الفارسية؛ حيث كانت مهد الديانة الزرادشتية أحد أركان القومية الفارسية قبل الإسلام، إلّا أن نظامها الحاكم تبنى نهجًا مختلفًا، مُتخلِّيًا عن عناصر حضارته الأساسية، ومُنطلقًا في تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني. أذربيجان اليوم تُسهِّل نقل النفط والغاز إلى إسرائيل وتقف صفًا واحدًا معها في مواقف عدة. هذه الدول وأشباهها التي تخلَّت عن قيم الحضارة وعناصرها، أصبحت عُرضة للسيطرة والتطويع، لأنها فقدت ما يحميها من أطماع القوى الكبرى: الإيمان العميق بالعقيدة والهوية.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز سلطنة عُمان كنموذجٍ للدولة التي لم ترضخ للابتزاز الترامبي، ولم تنخرط في اتفاقيات أبراهام، بل حافظت على عقيدتها وقيمها الحضارية الأصيلة. سلطنة عُمان، القائمة على حضارة بحرية وتجارية عريقة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، أدركت أن الرضوخ لمطلب خارجي تحت التهديد هو بداية استلاب الحضارات، وأن القيم الحضارية لا تُباع في مزاد ولا ترهن لأي أجندة خارجية. والأفكار الحضارية الراسخة، المتجذرة في التاريخ والثقافة والدين، لا يمكن خلخلتها مهما زوّقت المصالح وكثفت الإغراءات، بخلاف لتلك الدول الناشئة أو تلك التي تخلت عن حضارتها طواعية.  سلطنة عُمان، بقيادتها الحكيمة وشعبها الواعي، تقدم نموذجًا يحتذى في كيفية الموازنة بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية، وبين التعايش السلمي والتمسك بالثوابت. وفي ذلك عبرة لكل من يظن أن بمقدوره إعادة تشكيل الشرق الأوسط بقوة السلاح أو بالإكراه السياسي؛ فالحضارات العظيمة متجذرة بأفكار أبنائها، والفكرة لا تموت.

ختامًا.. لن تتوقف الحرب والتصعيد في الشرق الأوسط، طالما بقيت هذه العقلية الترامبية المستندة إلى إرث هنتنجتون هي الحاكمة؛ فالمطلوب أمريكيًا -كما يهذي ترامب- استسلام حضاري شامل وانبطاح تام أمام المشروع الصهيوني لشرعنة سنتين من الإبادة وثمانية عقود من الاحتلال. بيد أن أممًا تمتلك مخزونًا عقائديًا وتاريخيًا حيًا، وتمتلك ناصية العلم والمقاومة، سيظل إخضاعها مستحيلًا، مما يجعل استمرار "صدام الحضارات" هو السيناريو الحتمي الوحيد في المدى المنظور.

** أكاديمي بقسم الاتصال الجماهيري، في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى

الأكثر قراءة

z