لماذا إيران المستقرة خير لجيرانها من إيران المضطربة؟

 

 

 

عبد الله العليان

في 2 أبريل من عام 1981 نشرت مجلة المستقبل المهاجرة آنذاك حوارا أجراه الصحفي السوري رياض الريس مع السلطان قابوس بن سعيد، تغمده الله بالمغفرة والرحمة، بمدينة صلالة، وكان هذا الحوار بالفعل كلامًا نفيسًا وعميقًا ودقيقًا لاستشراف المستقبل الأفضل للمنطقة، ويمكن أن نطرحه في هذا الوقت المضطرب وبإلحاح، على الرغم من مرور أكثر من خمسة وأربعين عامًا على هذا الحديث.

ومما قاله جلالته: "إن إيران قوية ومستقرة، أفضل لجيرانها وللمنطقة. إن التعامل مع الحكم المستقر هو التعامل مع الوضوح"، مضيفًا جلالته، في فقرة أخرى من الحديث: "إن علاقة عُمان بإيران وشعبها علاقة تاريخية قديمة ووطيدة، تحكمها اليوم سياسة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونسعى باستمرار إلى تطوير علاقاتنا معها ودعمها. إن إيران غير المستقرة ستأتي بكارثة على المنطقة، تذكروا كلامي".

وكان الحديث قد جرى، كما أعتقد، في فترة المشكلات التي حصلت بعد الثورة الإسلامية، والتفجيرات التي أودت برئيس الجمهورية محمد علي رجائي، وكذلك استهداف رئيس البرلمان آية الله السيد محمد حسين بهشتي وآخرين، فقُتل مع عشرات النواب في الفعل الشنيع، من قبل منظمتَي فدائيي خلق، ومجاهدي خلق، الماركسيتين واليساريتين. ولا شك أن هذا الطرح الحصيف من جلالته يجدر بدول المنطقة أن تستوعبه جيدًا، وتتخذه أسلوبًا وطريقًا يخدم الطرفين، دول الخليج وإيران، ويُبعد هواجس التخوف والتوتر، ومكائد الآخرين، واستراتيجياتهم الخاصة؛ لتتجنب المنطقة أهوال الحروب والتوترات، التي لن تستفيد منها لا إيران، ولا دول مجلس التعاون. ولو حصل، لا سمح الله، حرب في هذه المنطقة، فإنها ستجرها إلى المجهول، لا نعرف مداها، ولا مخاطرها، وسيكون الجميع خاسرين في كل المجالات، وسنبكي بعدها على الأطلال؛ لأن الأثمان ستكون باهظة ومكلفة لكل الأطراف، بدلًا من التنمية والاستقرار، ورفاهية الشعوب ونهوضها.

فمع بروز مسألة المفاعل النووي الإيراني، وبروزها كقضية دولية من خلال الضغط على إيران بعدم تخصيب اليورانيوم من قبل أغلب الدول الكبرى في مجلس الأمن؛ لوقف، كما يعتقدون، محاولة امتلاك إيران السلاح النووي، دخلت القضية أبعادًا خطيرة وشائكة. وطرح الغرب وإسرائيل أن إيران تحاول، تحت ستار البرنامج السلمي، إنشاء منشآت الوقود النووي اللازمة لإنتاج مواد قابلة للانشطار من أجل برنامج نووي سري. لكن إيران أصرت على حقها في التخصيب، وفي الحصول على هذه الطاقة النووية السلمية. وأنا أرى أن من حق إيران امتلاك الوقود النووي السلمي، وتطوير هذا البرنامج للأغراض العلمية والتكنولوجية، ومثلما حصلت إسرائيل وباكستان والصين، وقبل ذلك الدول الكبرى، قبل الصين، فإن إيران من حقها الحصول على هذا العلم وأدواته التكنولوجية في المجال السلمي، مثلها مثل الآخرين، وهذه خطوة منطقية، ولا يجوز القفز عليها؛ لكونها من بديهيات الواقع الراهن.

كما أنه على إيران أن تنفتح أكثر على دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى التفاهم معها؛ لتطمينها من جهة، وفي تأكيد رغبتها في استقرار المنطقة، والتعاون مع دولها بما يُبعد شبح الحروب والصراعات والتوترات، التي لا يستفيد منها إلا أعداء الأمة، وتجار السلاح، وقوى الهيمنة والعولمة. فأنا، كمواطن عربي عُماني في هذه المنطقة، أرى أن على إيران أن تبادر الآن، في خضم هذه التوترات، والتصعيد الدولي لقضية المفاعل النووي، بما يطمئن دول المنطقة من توجهات إيران العسكرية، ومدى رغبتها في استقرارها، وفي التعاون المشترك، وحل القضايا العالقة. وهذا في صالح الجميع، وستسهم في استنهاض المنطقة كلها لإبعاد التوجسات، والصراعات، والتوترات، التي عانت وتعاني منها المنطقة حتى الآن، والشواهد كثيرة ومتوفرة.

كما أن بعض التصريحات التي تصدر من الحكومة الإيرانية حول وجود إسرائيل في المنطقة، وأنها زائلة، أو أن إسرائيل ستزول حتمًا من الوجود، تُستغل كثيرًا في الغرب، ويستعملها اللوبي الصهيوني في الترويج لمقولة إن إيران تستعد، من خلال مفاعلها النووي، لإنتاج أسلحة نووية لإبادة إسرائيل من الوجود، وأن تصريحات الرئيس الإيراني، كما يروج اللوبي الصهيوني، تنوي من خلال برنامجه النووي تدمير إسرائيل ومحوها من الوجود. وهذه ذرائع إسرائيلية استغلها ساسة إسرائيل منذ أكثر من عقد حتى الآن؛ لطرح هذه القضية في الدوائر الأمريكية والغربية، بشأن خطر المفاعل النووي الإيراني، مع أن هذه الفكرة لا نعتقد بصوابها. فإذا كان الهدف من هذا السلاح تدمير إسرائيل من أجل الفلسطينيين، فإن هذا السلاح النووي سوف يقتل ملايين الفلسطينيين أيضًا، وربما دول الجوار المحيطة بإسرائيل، ومنها لبنان، مع وجود حزب الله فيها والمؤيد من إيران، وكذلك سوريا التي تربطها بإيران علاقات كبيرة. فهذه التوجسات هي صناعة إسرائيلية بماركة مسجلة، ولا نقول إلا ما قاله الحديث الشريف: "الحكمة ضالة المؤمن، فأينما وجدها فهو أحق الناس بها".

ومن هنا نعتقد أن على إيران اليقظة، والتعامل الحكيم، وهي ضرورة عقلية، ولا مناص من استعمالها واقتناصها، من أجل الدفاع عن نفسها، وإبعاد التوتر والصراع بشتى الوسائل والطرق والأساليب عنها، وعن جيرانها. وإذا كان المجتمع الدولي يريد المنطقة خالية من الأسلحة النووية، فإن العدل والحق يدعوان إلى أن يكون الجميع ملتزمين بهذا الأمر. أما أن يكون البعض يملك السلاح النووي، والبعض الآخر يُحرم منه، فإن المشكلات ستظل قائمة.

والحقيقة أن هذا السكوت على امتلاك إسرائيل أسلحة نووية يُعد سابقة خطيرة، تشجع إسرائيل على اختلال التوازن الاستراتيجي والعسكري في الشرق الأوسط، ومن ثم رفض الانصياع إلى القرارات الدولية؛ لأن الأطراف المعتدى عليها لا تملك المقدرة العسكرية، ومنها النووية، على رد التهديد. ومن هنا فإن هذا السكوت والتجاهل سيجران المنطقة إلى أحوال، وإلى ضياع الفرص في السلام العادل والدائم. وإذا كانت هناك خطوات لإنتاج السلاح النووي عند بعض الدول في المنطقة، فإن من المنطقي أن يتم الحديث عن مخاطر هذا السلاح بصورة عامة؛ حتى تكون المنطقة كلها خالية من الأسلحة النووية، وتكون الكفة متعادلة بين كل الأطراف، وليس استثناء بعض الأطراف، وتركها تعربد، وتحتل، وتهدد، لمجرد أنها تلقى التأييد والمساندة من بعض الدول الكبرى.

ونتذكر عندما أطلق الرئيس الراحل صدام حسين تصريحاته حول إبادة نصف إسرائيل، استغلها اللوبي الصهيوني، وروج لكذبة أسلحة الدمار الشامل العراقية، مع أن هذه أكاذيب ظهرت بعد ذلك، وكان ما كان بعد ذلك بالنسبة للعراق، وهذا قياس مع الفارق، كما يقول الأصوليون. لكننا نرى أن إيران تحتاج إلى جيرانها وأصدقائها، مثلما يحتاج جيرانها وأصدقاؤها إليها، وتلك مسألة طبيعية وفطرية، أشار إليها العلامة ابن خلدون في مقدمته، وهو ما يعرف بالاجتماع الإنساني، وحاجة الإنسان إلى أخيه، والعكس. والجميع يتمنون لإيران النهوض والتقدم والاستقرار، مع علاقة جيدة وقوية مع جيرانها، حيث الروابط القوية التي تجمع بين الشعب الإيراني وشعوب منطقة الخليج والجزيرة العربية، من العلاقات التاريخية الوطيدة عبر قرون من حسن الجوار، وعلاقات المصاهرة، وغيرها من الوشائج الضاربة في عمق التاريخ، وقبل ذلك رابطة الدين، التي نعدها أقوى الروابط، وأوثقها عرى، قد لا نحتاج معها إلى الشرح والتبيان، مع أحقية إيران في الاحتفاظ بالتكنولوجيا، والاستفادة منها، وما تمليه ثوابتها، والتفاف شعبها، ومصلحتها العليا. لكن لا بد للجميع من التقارب، والتفاهم، وزرع الثقة، ومناقشة الخلافات بروح العلاقة التاريخية المتينة؛ لأن الجميع سيبقى، ولا يستطيع أحد إلغاء جاره، فالجغرافيا ثابتة، لذلك لا مفر من التقارب، واستقرار إيران من استقرار المنطقة، والعكس الصحيح، فليس هناك مصلحة للمنطقة كلها في إثارة التوترات والأزمات وتعكير الأجواء.

نعم، إن إيران المستقرة غير المضطربة خير لجيرانها من إيران غير المستقرة، أو المهددة بالحرب، ودول المنطقة التي تنعم بالاستقرار والأمن والرخاء خير لإيران من منطقة ملتهبة، ومتوترة، ومستهدفة لأسباب كثيرة.

 

الأكثر قراءة

z