حين يغيب الأثر

 

 

 

 

د. يوسف الشامسي **

في الوقت الذي يسعى فيه وطننا إلى تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"- والحوكمة أحد أعمدتها الكبرى- يبرز تباين لافت بين التطلعات التنموية العريضة وضيق أفق بعض القرارات التنظيمية الصادرة عن جهاتٍ خدمية؛ قرارات تولد ناقصة البُعد الاستراتيجي، خالية من الاستشراف لما تخلّفه من آثار، فلا تلبث أن تصطدم بموجة من الجدل في الصحافة المحلية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

وجوهر الإشكال أن طائفة من هذه القرارات تصاغ استجابة لتحدٍّ طارئ أو لحسابات مالية ضيّقة، فتغفل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الممتدة. ونظرة سريعة إلى ما أُثير في الأسابيع الأخيرة- دون حاجة إلى العودة بعيدًا- في ملفات وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ووزارة التعليم، ووزارة العمل، تكشف اتساع المسافة بين النص التنظيمي وصداه في المجتمع.

ففي ملف وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، أفضى ربط رسوم نقل الملكية بتقييمات منصة "عُمان ريل" المتغيرة إلى تضخّم الأعباء على كاهل المواطن والمستثمر معًا، ما دفعهم للتعبير عن امتعاضهم عبر وسائل التواصل جراء فرض رسوم بنسب مئوية متغيرة على إجراء إلكتروني نمطي لا يقدم قيمة مضافة ملموسة، عوضًا عن اعتماد رسوم ثابتة ومحددة تجنب السوق والمجتمع هذه الانعكاسات السلبية وتضمن معايير تعامل عادلة وواضحة. والخلل هنا ليس طارئًا على المشهد؛ إذ تناول تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة لعام 2025 بوضوح بعض تلك الإخفاقات، وسبق أن نبّهنا في مقال سابق بعنوان "من سبق لبق" إلى غياب بعض ركائز الحوكمة في نظام "اختر أرضك"، لتأتي قضية الرسوم اليوم مؤكّدة استمرار النهج ذاته.

أما في وزارة التعليم، فقد أثار تعديل اشتراطات الالتحاق ببرنامج التأهيل التربوي حالة واسعة من التساؤل والاستياء، انعكست بوضوح في النقاشات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما بين خريجي التخصصات الأدبية والإنسانية؛ فهؤلاء اختاروا مساراتهم استنادًا إلى مؤشرات واحتياجات أُعلنت في حينها، وظلّوا يرون في التأهيل التربوي بابا مهنيا مشروعا، حتى فوجئوا بالباب موصدا وبتغيّر الاشتراطات في يوم وليلة.

وما يطرح اليوم في الفضاء الرقمي ليس اعتراضًا عابرًا على قرار بعينه، ولكنه تجلٍّ لقلق أعمق نتيجة ضعف المواءمة بين سياسات القبول في مؤسسات التعليم العالي وحاجات سوق العمل التربوي المتغيّرة؛ فحين تتبدّل قواعد المسار بعد أن يكون الطالب قد أنفق سنوات من عمره في تخصصه، فإن الخسارة لا تنحسر في إحباط بضعة أفراد على مقاعد الدراسة، ولكن تطال ذلك الهدر في الطاقات وتبديد استثمار وطنيّ في رأس المال البشري.

وتتصاعد وتيرة الجدل عندما نصل إلى قرارات وزارة العمل، التي تمس قطاعين حيويين: القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية، ففي القطاع الخاص؛ حيث جاء اشتراط توظيف مواطن عُماني في كل سجلّ تجاري نموذجًا للحلّ السطحي لملف التعمين. وبدلًا من بناء استراتيجية متكاملة تُمكِّن الكفاءات العُمانية وتبقي البيئة الاستثمارية جاذبة، تحوّل الاشتراط إلى عبء مالي إضافي على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، دفع بعضها إلى التعثُّر والتصفية، وبعضها إلى اللجوء للتوظيف الصوري لتفادي المخالفات، وتلك مفارقة تنتج أرقامًا في السجلات ولا تنتج وظائف في الواقع، وتحصد الجهة المنظمة إحصاءً مطمئنًا بينما يحصد السوق أثرًا معاكسًا.

ولعلّ أوضح شاهدٍ على غياب البُعد الاستراتيجي والمرونة التنظيمية يتمثل في منظومة "إجادة" لقياس الأداء الفردي. والتي أُطلقت تحت شعار رفع الكفاءة وتحفيز الأداء، لكنها وقعت في فخّ التعميم حين وحّدت المعايير بين مهنٍ ووظائف تختلف جوهريًا في طبيعتها ومخرجاتها، وأضعفت شفافية القياس وضبطه الموضوعي، وأحلّت التنافس الفردي محلّ التكامل داخل الفريق الواحد؛ فصار السعي وراء "الأرقام" غايةً في ذاته، وانزوى الأثر الحقيقي إلى الظل.

وقد وضع تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة عدّة علامات استفهام حول جدواها وعدالتها في صيغتها الراهنة. ومع ذلك تتوالى محاولات إنعاشها بحوافز ومزايا و"بطاقات" وتعديلات شكلية، عسى أن تُعيد الشغف إلى موظف أفنى عقدًا من عمره في درجة واحدة لم يبارحها. فحين يُعالج خللٌ بنيوي بأدوات تحفيزية مؤقتة، يكون العلاج قد أخطأ موضع الداء. والأَمَرُّ من ذلك أن طوفان الملاحظات التي سُطّرت في الصحافة المحلية، وأُذيعت عبر الأثير، وتداولها الرأي العام، لم يترجم بعدُ إلى مراجعة جذرية؛ وكأن المنظومة وُجدت لتبقى على الصورة التي أُريد لها، لا لتتشكّل بما يخدم الأداء الوطني الحقيقي.

والملاحظ في هذه الملفات الثلاثة أن الجدل لا ينشأ من رفض التنظيم في ذاته؛ فالمجتمع يدرك ضرورة التنظيم ويطلبه، وإنما ينشأ من مفاجأته به، ومن غياب السردية التي تشرح مبرراته وتقدّر كلفته على الفئات الأكثر تأثرًا. وهنا ينبغي التعامل مع ما يتداوله الفضاء الرقمي بوصفه بيانات "تغذيةٍ راجعة" مبكرة؛ فالرأي العام حين يتكرر اعتراضه على قرارٍ بعينه إنما يرسل مؤشرًا تشخيصيًا مجانيًا كان يمكن التقاطه قبل الإصدار لو أُتيحت قنوات التشاور، وكلفة الإنصات المبكر دوما أقلّ بكثير من كلفة التراجع المتأخر.

وصناعة السياسات العامة أرفع من أن تدار بفكر اللجان الوقتية والحلول الإجرائية العاجلة. فما ينشده المواطن اليوم ليس تعديلًا أو تأجيلا لقرار هنا وهناك كردّ فعل طارئ، وإنما بترسيخ منهج مؤسسيّ قوامه أربع ركائز: أولاها إلزامية "دراسة الأثر التشريعي والاجتماعي والاقتصادي" قبل إصدار أي تنظيم خدمي، بمنهجية معلنة وبياناتٍ قابلة للتحقق. وثانيها التطبيق التجريبي المرحلي قبل التعميم، فاختبار القرار في نطاقٍ محدود يكشف مخاطره وهي في المهد، ويوفّر على الدولة والمجتمع كلفة التصحيح المتأخر. وثالثها التشاور المسبق مع أصحاب المصلحة- من ممثلي المجالس التشريعية وأرباب الأعمال والموظفين والخريجين والخبراء- كإجراء أصيل في صناعة القرار لا مجاملة لهم بعد صدوره. ورابعها بند المراجعة الدورية الذي يلزم الجهة بإعادة تقييم أثر قرارها بعد مدة محددة، فيقيس ما تحقق من نتائج لا ما أُنجز من إجراءات.

إنَّ القرار الذي لا يُدرَس أثره قبل صدوره، سيُدرَس أثره في وجوه الناس بعد نفاذه. لذلك، المراجعة الشجاعة للقرارات والإنصات إلى صوت الشارع والخبراء، والاستجابة لتوصيات الأجهزة الرقابية، هو جوهر الحوكمة الرشيدة التي تصون حقوق المواطن، وتحفظ استقرار المجتمع، وتبلغ الوطن ما ينشده من تنمية مستدامة.

** أكاديمي بقسم الاتصال الجماهيري - جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في نزوى

الأكثر قراءة

z