د. عبدالله بن سليمان المفرجي
في صروح الإدارة وفي معترك الحياة حيث تلتقي الأرواح النقية قبل الأوراق المبعثرة، وتحت قباب القرار حيث تتصافح القلوب الصافية قبل المصالح المتضاربة، ثمّة نور يخترق جدران الروتين، ونبض خفي يحرك سواكن الجمود ويتسل خلف الحُجُب، حين يدير الإنسان النبيل مقوده في محطة من محطات العمر، ويجلس على كرسي القيادة في زحمة الحياة، يتذكر أن الإدارة ليست سطوة، ولا استعلاء ولا غرور، بل خدمة إنسانية، وأن الخطاب الرشيد ليس صراخًا، بل حوارًا هاديا وأنيقا، وأن الاحترام ليس خضوعًا، بل تكاملًا وحكمة. وما أجمل أن يدرك القائد الحاذق أنه ما نزل من علو إلا ليرى الناس عن كثب، وضوح وما ارتفع منصبًا إلا ليحمل أثقالًا لا ليلقيها على غيره.
تأمل معي هذا المشهد المشرق المشرف: مسؤول يستقبل موظفيه كل صباح بابتسامة تشرق كالفجر الرقراق المتلألئ الصافي العذب الزلال، بكلمة طيبة تنبت في القلب زهرة الأمل والحياة، وبنظرة دافئة تقول له: أنت مهم، أنت موجود، أنت شريك لا تابع. ذلك القائد الذي لا يرى في الموظف أداة تنفذ، بل عقلًا يفكر، وروحًا تحس، وأحلامًا تحلق إبداعًا وتطويرًا. يعرف أن الكفاءات العاملة كالأشجار المثمرة لا تعلو إلّا بتربة طيبة، ولا تثمر إلّا بغيث من التقدير والثقة والحرية المسؤولة. وما أجمل الإدارة التي تجعل من موظفيها بناة لا عمالًا، ومبدعين لا منفذين، وشركاء لا خدمًا.
كم هو مسرح الحياة الوظيفية بحاجة إلى إدارة تضع الإنسان في صدارة كل شيء، وتجعل من احترام العقل البشري دينًا منسيًا لا بروتوكولًا ثانويا. العقل الذي يفكر خارج الصندوق لا يُقمع، بل يُحتضن وتبارك خطاه. والفكرة التي تخالف المألوف لا تُعدم ولا تصهر، بل تُناقش. والإبداع الذي يخطئ أحيانًا لا يُحرق، بل يُوجه نحو جادة الصواب بطلف ولين. أليس من الجميل أن يسمع الموظف من مسؤوله كلمة "أخطأت ولكنك أبدعت في المحاولة" بدل "أنت فاشل"؟ أليس من الرائع أن تُفتح نوافذ التجريب أمام العقول الطامحة، وأن تُغلق أبواب الترهل والروتين والإقصاء؟
تقدير الإنسان قبل إنجازه هو أصل الحكمة الإدارية. الإنسان الذي يشعر بأنه مُقدَّر كإنسان، بقيمته الذاتية قبل قيمته الوظيفية، ذلك الإنسان الذي يحلق حيث لا تصلح الطائرات، ويبدع حيث تتعثر الحواسيب وأبان صمت أجهزة الذكاء الاصطناعي. والمؤسسات العظيمة هي تلك التي تجعل من موظفيها أسرة واحدة، يخطئ الكبير فيغفر له الصغير، ويجتهد الصغير فيباركه الكبير، ويتعاون الجميع كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحب. بيئة العمل المتينة هي بيئة تَغار على الإنسان قبل أن تغار على الإنتاج، لأن الإنتاج الحقيقي لا يأتي من آلة، بل من إنسان مطمئن البال، مرتاح الضمير، آمن على كرامته وعقله.
ما أعذب الثناء في الإدارة حين يكون صادقًا، وما أجمل المديح حين يكون نابعًا من تقدير حقيقي. فكلمة "أحسنت" تزرع في النفس بستانا من الأمل والتفاؤل، وابتسامة "شكرًا" تفتح في القلب نافذة نحو الابتكار ومواصلة العمل بجد وإخلاص وتفاني، وتقدير علني للإنجاز يكتب تاريخًا من العطاء لا يمحوه الزمن عبر السنون. والمسؤول الذكي هو من يبحث عن مواطن القوة في موظفيه فيضخمها، لا عن مواطن الضعف والهن فيجترها. لأنه يعلم أن الإنسان كالنخلة: إن أنت بحثت عن عيوبها وجدت شوكًا مسلطا جراحا، وإن أنت بحثت عن خيرها وجدت تمرا لذيذا وعسلًا زلالًا وظلًا وارفًا.
والتغاضي عن السيئات له فنونه وأساليبه. فليس كل زلة تسجل في صفحات الأيام، وليس كل هفوة تذكر أمام العيان، وليس كل خطأ يقصي صاحبه بعيدا عن الملاء. فمن أروع صفات القائد الحكيم أنه يغض الطرف أحيانا عن الهنات الصغيرة ليكبر في عيون الجميع، فهو يتجاوز عن الزلة العابرة ليكسب ولاءً دائمًا، أنه يعطي فرصة ثانية لمن يستحقها فيحصد إخلاصًا لا ينضب. وغفران الهفوات ليس ضعفًا في القيادة الحكيمة، بل هو قوة خفية تقول للموظف: أنا أثق فيك رغم خطئك فذلك ديدن الإنسان، فما هو إلَّا نفْسٌ معجونةٌ بترابِ الأرض، ثمَّ نُفِخَتْ فيها الرُّوحُ فدبَّتْ فيها الحياة، وانطلقَت بعدَها فرِحًا، وأنا أراهن على مستقبلك رغم عثرة حاضرك. والنتيجة؟ موظف يشعر بأنه مدين بالولاء، فيبذل من العطاء المتواصل أضعاف ما كان يبذله تحت تهديد العقاب وسياط العذاب.
تعليم الموظفين وتدريبهم هو الاستثمار الذي لا يضيع، عبر تغير الأزمان وتعاقب الأيام، فهو البذرة التي لا تموت والنبع الذي لا ينضب ولا يجف. إن المؤسسة التي تنفق على عقول موظفيها تشتري المستقبل، والمؤسسة التي تبخل على عقولهم تبيع حاضرها. وما أبهى أن يتحول مكان العمل إلى جامعة صغيرة، يتعلم فيها الكبير من الصغير، والخبير من الجديد، والقائد من الفريق. إن التدريب ليس رفاهية تقدم لمن يستحق، بل هو حق لكل موظف، لأنه الطريق الذي يحوله من مجرد منفذ إلى مبدع، ومن مجرد تابع إلى قائد في مجاله، ومن مجرد إنسان عادي إلى إنسان استثنائي يضيف للمؤسسة أكثر مما تأخذ منه.
والذكر الحسن في الإدارة هو أعلى الجوائز السامقة، وأبقى التكريم. فليس كل من أنجز يستحق التوقيع في الملفات المنسق والأنيقة، بل يستحق أن يُذكر بالخير على الألسنة قبل الأوراق. حين يتحدث الموظفون عن مسؤولهم في استراحة الغداء، فإن كانوا يقولون: ما أعدله! ما أحلمه! ما أكرمه! ما أشجعه! على تقديرنا، فقد كتب له النجاح في قلوبهم. وإن كانوا يهمسون: ما أظلمه! ما أغلظه! ما أبخله بالتقدير! فقد كتب له الفشل قبل أن تغلق أبواب المؤسسة. فالذكر الحسن هو الشهادة التي لا تزيف، والتقرير الذي لا يكذب، والتاريخ الذي لا يُشترى، "واجعل لي لسان صدق في الآخرين "" وتركنا عليه في الآخرين".
بيئة العمل المتينة يجب أن تكون كالنسيج المحكم المتماسك، لا ينفك إلا إذا انفك إخلاص الخيط من ثبات الإبرة. إنها بيئة تتكافل فيها القلوب قبل الميزانيات، وتتنافس فيها العقول على العطاء لا على المصالح، ويتعانق فيها الحزم بالرحمة، والجدية بالمرح، والنظام بالمرونة. وما أجمل الإدارة التي تجعل من أخطاء موظفيها دروسًا تعلم للأجيال بعدها، لا جرائم تدمي. والتي تجعل من المكافأة عادة قبل أن تكون حادثة، والتي تجعل من المبادأة بالتقدير سنة لا شذوذًا. يقول النبي ﷺ: من لا يشكر الناس لا يشكر الله".
أما تقدير الإنسان فهو أخلاق قبل أن يكون إدارة. الإنسان الذي يشعر بأنه مرئي مسموع مقدر، ذلك الإنسان يبني من حوله جدارًا من الإخلاص. فلنقدر الكبير لخبرته، ولنقدر الصغير لحماسه، ولنقدر المتوسط لاجتهاده، ولنقدر كل إنسان بمقدار ما فيه من نور، لأن كل إنسان لديه قصة تستحق الاحترام، ولأن كل موظف لديه حلم ينتظر من يساعده على أن يصير حقيقة. ورب كلمة تقدير كتبها مسؤول على هامش تقرير جعلت موظفًا يغير مجرى حياته نحو الأفضل، ورب ابتسامة عابرة تغلفها نظرات الاحترام والمحبة والفرحة أنقذت روحًا كانت تغرق في بحر الإحباط.
وقبل أن تطوى صفحات هذه السطور ونطوي سطور الحروف، نقف مليًا أمام حقيقة قاطعة: إن الإدارة الناجحة ليست تلك التي تبني قصورًا من الأرقام، بل تلك التي تبني قلوبًا من الثقة والتعاون والمحبة. وليست تلك التي تنتج أكبر كمية من الأعمال، بل تلك التي تنتج أسعد النفوس. وليست تلك التي تمتلك أشداء في التنفيذ، بل تلك التي تمتلك حكماء في القيادة والإدارة والتدبير. فلتكن مقامات الإنسانية التي نمر بها كل يوم في صروح الحياة ومسرح الأعمال هي مقامات للقاء لا للفراق، وللعطاء لا للأخذ، وللابتكار لا للتكرار. وليكن شعارنا جميعًا: نحن هنا لنبني إنسانًا قبل أن نبني مؤسسة، ولنزرع كرامة قبل أن نحصد أرباحا، ولنخلق ذكرى جميلة في قلوب من عملوا معنا، لأن تلك الذكرى هي العمر الثاني الذي لا يزول. "وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" (الشعراء: 84)، نعم، فلنرفع راية الإنسانية فوق كل راية، ولنكتب بأقلامنا وقلوبنا فصل النجاح الذي لا يكتب بحبر، بل بدمعة شكر ابتسم بها موظف شعر أنه مقدر ومحترم، أو بكلمة ثناء أنعشت أملًا كاد أن يذبل، أو بغفران هفوة جعلت إنسانًا يبدأ من جديد.
