د. محمد بن خلفان العاصمي
يمكن تعريف الإرادة السياسية في السياسة الخارجية لأي دولة على أنها القدرة الواعية والثابتة للدولة على صياغة مواقفها الخارجية وتنفيذها وفق مصالحها الوطنية ورؤيتها الاستراتيجية، مع الحفاظ على الاستقلالية والتوازن وعدم الانجرار إلى الاستقطابات الإقليمية، ومدى قدرتها على تحديد مواقفها من القضايا الإقليمية والدولية بعيدًا عن الضغوط ومناورات القوى الكبرى والتأثير المباشر على هذه المواقف، والإرادة السياسية لاي دولة هي ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لعمل منهجي استراتيجي واضح على مدى سنوات طويلة في العلاقات الخارجية والسياسية والدبلوماسية الدولية، عمل مبني على أسس ثابتة وقيم راسخة ومبادئ لا تتبدل حسب الحاجة.
وسلطنة عُمان هي أحد النماذج العالمية الواضحة والتي أسست سياستها الخارجية على هذا النهج، وامتلكت اردتها السياسية في تقرير مواقفها وقرارتها في جميع القضايا والأزمات السياسية، دون أن تبني تلك المواقف على حسابات الآخرين، وقد أسست سلطنة عُمان هذا النهج إدراكًا منها بقيمتها ومكانتها وتاريخها، وحتى نتمكن من قراءة إرادة عُمان السياسية في سياستها الخارجية لابد من معرفة العوامل والأطر التي ساهمت فيها، والمبادئ والمرتكزات التي قامت عليها الإرادة السياسية العُمانية في سياستها الخارجية.
ويبرُز الحياد الإيجابي والتوازن كأحد أهم هذه العوامل، حيث تنتهج سلطنة عُمان سياسة تقوم على عدم الانخراط في الصراعات السياسية بين الدول، وعدم الاصطفاف إلى جانب طرف، والسعي لتغليب لغة الحوار والتفاهم، وخلق قنوات تواصل بين الأطراف المتنازعة، والدفع نحو حل الخلاف بالطرق السليمة، كما تتبنى سلطنة عُمان سياسة الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، لكي تتمكن من القيام بدور الوساطة والحياد الإيجابي في القضايا والنزاعات التي تنشأ بين الدول، هذا التوجه هو أحد أهم المُمكِّنات التي منحها إرادة سياسية مستقلة وجنبها التعرض لضغوط خارجية حيث دائمًا ما كان موقفها واضحًا ومعلنًا.
ثاني هذه العوامل هو استقلال سلطنة عُمان في قرارها السياسي؛ حيث تتميز السياسة الخارجية العُمانية بعدم التبعية في جميع الأحوال السياسية، وتتخذ المواقف وفق تقدير المصالح الوطنية العُمانية، حتى عندما تختلف هذه القرارات مع توجهات بعض الحلفاء أو المحيط الإقليمي، كما حدث في الأزمة مع قطر، أو حرب اليمن، أو الاتفاقيات الإبراهيمية، وأخيرًا حرب إيران؛ حيث وازنت بين مصالحها وتوجهاتها وبين قراراتها حول تلك القضايا؛ ولذلك جاءت جميع تلك القرارات في صالحها، وأبعدتها عن الوقوع في أزمات ناتجة عن مواقفها وتصرفاتها.
وتأتي الدبلوماسية الهادئة والوساطة كأحد العوامل التي ساهمت في تشكيل الارادة السياسية العُمانية واستقلاليتها السياسية؛ حيث ساهمت بشكل كبير في تشكيل هوية سياسية عُمانية، فقد اعتمدت سلطنة عُمان نهج الوساطة بين الدول، وتقريب وجهات النظر لدى أطراف النزاع في جميع القضايا؛ الأمر الذي منحها سمعة دولية كطرف محايد موثوق في اكثر الملفات تعقيدًا، مثل الملف النووي الإيراني، والصراع بين الفصائل السياسية في الجمهورية اليمنية، ودولة ليبيا، وملفات إطلاق سراح المحتجزين في عدد من الدول، والقضية الفلسطينية، وعديد الملفات التي ساهمت سلطنة عُمان في رعاية مفاوضاتها والوساطة بين أطرافها.
ومن أهم عوامل تشكيل الارادة السياسة لسلطنة عُمان هو تقديمها الاستقرار على التصعيد في جميع القضايا؛ حيث تميل إلى خفض التصعيد والتهدئة والبعد عن الوصول إلى نقاط إلا عودة والبعد عن التوترات، والالتزام بالقوانين والتشريعات الدولية والاتفاقيات خاصةً تلك التي تهدف لحماية أمن الحدود الدولية والممرات البحرية والتجارة الدولية، وضمان عدم إحداث تغييرات تضر بمصالح الدول وتهدد أمن العالم. وربما يبرز موقف سلطنة عُمان من الحرب الأخيرة ليكون أحد الامثلة الحية على هذا الموقف؛ حيث سعت إلى آخر لحظة لمحاولة منع اندلاع مواجهة عسكرية بين أطراف النزاع في المنطقة، وجاء تصريح معالي السيد وزير الخارجية أمام العالم أجمع ليثبت أن وجهة نظر سلطنة عُمان كانت صائبة وسليمة.
ولعل أبرز عامل- من وجهة نظري- في استقرار الارادة السياسية للسياسة الخارجية العُمانية هو الاستمرارية المؤسسية؛ فمنذ عهد السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- والى عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله وأبقاه- حافظت السياسة الخارجية العُمانية على ثوابتها ومرتكزاتها ومبادئها، واستمرت في نهجها دون تغيير، مع تطوير أدواتها بما يتناسب مع التحولات الدولية. ولعل البعض ينظر إلى الأمر من منظور أن سلطنة عُمان أصبح لها صوت عالً في الوقت الحاضر، وهذا اعتقاد مجانب للحقيقة، فالثبات على المبادئ والقيم والمرتكزات كان هو الأساس الذي تسير عليه، وهكذا استمرت الأمور دون تغيير.
وأحد أهم العوامل المساهمة في الارادة السياسية العُمانية وثباتها هو الربط بين السياسة الخارجية والتنمية؛ حيث تنظر سلطنة عُمان إلى الاستقرار الخارجي كوسيلة لدعم الاقتصاد والتنمية وجذب الاستثمار، وأن تركيز الجهود للبناء والتنمية يتطلب البعد عن الأزمات، واستغلال كل الموارد لتعزيز التنمية وتنفيذ الخطط والاستراتيجيات المستقبلية، لذلك تميل دائمًا إلى تجنب السياسات التي تقود إلى صدامات في نهايتها، وهذا بعد مهم لم تدركه كثير من الدول التي تبنت مواقف سياسية اثرت على نموها وتطورها، وبدون ذكر أمثلة فالحال يغني عن الشرح، والعبرة ليست بالصوت العالي والاستعراض السياسي الذي يعود بالضرر على الأمة.
إنَّ الإرادة السياسية في السياسة الخارجية العُمانية هي إرادة مستقلة، ومتوازنة، وواقعية، تُقدّم الاستقرار والحوار على الاستقطاب والصراعات، ولعل حديث الإعلامي محمد كريشان في مقاله الأخير في صحيفة "القدس العربي" عن سلطنة عُمان واستقرارها السياسي وإرادتها السياسية خير تشريحٍ لهذا الواقع الذي أصبح نموذجًا يُدرَّس في صناعة السياسة الخارجية.
