إثراء التجربة

 

د. صالح الفهدي

بعد أن جُلتُ في حِلَّةِ العقر بولايةِ نزوى، واطَّلعتُ على ما شَهِدَتهُ هذه الحلَّة من نقلةٍ مُبهرةٍ بجهودِ الأهالي؛ حيث قدَّموا دروسًا في تحويلِ ما كانَ يُعدُّ خراباتٍ آيلةٍ للاندثار، ودمَنٍ في طريقها للدرس، وبيوتٍ قديمةٍ تهاوى بعضها أو كلُّها؛ بل إنها أصبحت تشكِّل مصدرَ خطرٍ وتهديدٍ للسكان لتحوُّلها إلى أوكار! لكنَّها تحوَّلت- وهذا هو الدرسُ الذي يستحقُّ الوقوف عنده- إلى منطقةٍ جاذبةٍ للسياحة، مؤنسةٍ للزوَّار، وقد انتعشت وهي تتنفس الهواءَ النقيَّ من جديدٍ، وكأنها وُلدت ثانيةً وهي تلبسُ ملبوسًا طريفًا وتالدًا في الوقتِ ذاته؛ فقد حفظت هُويتها، بيد أنها اعتنت بالجديدِ مما يقتضيه العصر، فكانت كاللؤلؤة المُضيئة في الليلِ وسط ضواحي النخيل بسورها الشبيه بالعِقد الذهبي.

أقولُ بعد أن طفتُ فيها تواصلتُ مع محافظ الداخلية سعادة الشيخ هلال الحجري، وهو رجلٌ ذو هِمَّةٍ عالية، وعملٍ دؤوبٍ، وتواضعٍ جَمٍّ، يسعى جاهدًا لتطوير كل ولايةٍ من الولايات التي يُشرف عليها مكتبه، ويقفُ مع كل مشروعٍ طموحٍ، ويُعينُ كل صاحبِ نشاطٍ يضيفُ للمنطقةِ فكرةً جديدة، قُلتُ له: "إن نزوى مدينة التاريخ والعلم والدين، لها مجدٌ ضاربٌ في القِدَمَ، وهي عاصمةٌ من عواصمِ عُمان في فترةٍ من الفتراتِ، ولد وترعرع فيها عدد من العلماء والفقهاء والشعراء والمُفكرين، لهذا نحنُ بحاجةٍ إلى إثراء التجربة؛ بمعنى أن لا يقتصرَ الزائر لولاية نزوى على أن يطَّلعَ أُفقيًا بصورةٍ ظاهرية فيما يراهُ من بيوتٍ مرمَّمةٍ، أو أن يتناول وجبةً في أحد المطاعم، أو يسكنَ في نزُلٍ من الأنزال، أو يحتسي شايًا أو قهوة في أحد المقاهي، ثم يُغادر نزوى دون أن يعرفَ من هي نزوى، دون أن يرشفَ من كأس تاريخها العريق، ودون أن يستمتع بأقاصيصها، وحكاياتها، وشكيمةِ إنسانها، وسِيَرِ قادة العلم والسياسة والدين والفكر الذين عاشوا فيها، وخلَّفوا إرثًا يستحق أن يُروى، وتطَّلع عليه الأجيالُ العُمانية وغير العُمانية"، ودار بيني وسعادة المحافظ الطموح وصاحبُ العزيمة العالية حديثًا تجاذبنا فيه الأفكار، والآراء.

كُنت قبل هذا الحديث مع سعادة المحافظ متواصلًا مع صاحب الشركة التي تدير قلعة الشهباء بنزوى، وكان حديثي أيضًا يتضمَّنُ إثراء التجربة في القلعة؛ حيث إن السائح لا يريدُ أن يرى الجدران الجوفاء، بل أن يستمع إلى القصص، والحكايات، ويرهف أسماعه إلى التاريخ، ويستمتع بالفنون الشعبية، فيخرج من القلعة وقد ارتوت ذاكرته بما رأى وسمع.

الأماكنُ السياحيةُ والتراثيةُ ليست مواقعَ تُزار مجرَّدةً من المعنى، ولا أبنيةً قديمةً تُلتقطُ أمامها الصور الخالية من الدَّلالات، وإنما هي صفحاتٌ حيّةٌ من ذاكرةِ الأمم، تحفظُ أصواتَ الماضي، وتروي حكاياتِ الإنسان، وتُعيدُ تشكيلَ العلاقةِ بين الزائرِ والتاريخ. على أنَّ السياحة الأُفقية تجعلُ الكثير من الناسِ يمرُّون على هذه الأماكنِ مرورًا عابرًا؛ يلتقطون صورةً هُنا وصورةً هُناك، ويحتسون قهوةً أو شايًا، ثم يغادرون كما دخلوا، دون أن ينصتوا إلى روح الماضي، أو يعايشوا تفاصيلِ المكان.

في قرية العين بولاية إزكي هناك بيتٌ مرمَّمٌ لرجلٍ ذاعَ صيتهُ إذ كُنتُ أحسبهُ أُسطورة وهو الشيخ علي بن حمد التوبي الملقب بـ"وَدْ جِرَيْدَةْ"؛ حيثُ كان أحد أركان دولة الإمام سالم بن راشد الخروصي وقادتها، وذكره البريطانيون في وثائقهم السرية بذات اللقب "ودْ جريدة". مثل هذه البيت لا يمكنُ أن يُزار دون أن يُستحضر هذا العُماني البطل بقيمه، وخصاله، وحكاياته الفريدة، بل أن يكون هو عامل الجذب الأول للقرية، وأن تعمَّق التجربة بفيلم درامي عنه، ليتعرف السائحون على حياةِ رجل تجسَّدت فيه الخصال النبيلة، بما في ذلك من شجاعة وبأس، ومروءة، وكرم، وشهامة.

منذ أيام قلائل زار وفد جزائري وزارة الصحة، فارتأت دائرة التجمع الصحي الثالث بوزارة الصحة أن يُهدوا الوفد كتابي "القيم السلطانية" للسلطان قابوس بن سعيد- طيَّب الله ثراه- وقد سُرَّ رئيس الوفد لهذه الهدية قائلًا: "أفضل وأجمل وأغنى هدية من مسقط هي كتاب القيم السلطانية"، تقول إحدى المسؤولات في وزارة الصحة: "لقد أردنا أن يغادر الأشقاء وفي قلوبهم وحقائبهم أثمن ما تملكه عُمان؛ فكر وقيم السلطان قابوس- طيب الله ثراه- وسعادتنا بالغة بأن تركت الهدية هذا الأثر العريق".

هذا ما أعنيه بـ"إثراء التجربة" يتحوَّلُ فيها المكانُ من منظرٍ خارجيٍّ إلى حالةٍ شعوريةٍ وفكرية؛ ليقف الزائر عند حصن قديمٍ فيتساءل: من عاش هُنا؟ وأية حكايةٍ يمكن أن تُروى؟ وماذا تقول لي الجدران والأروقة؟ أن يستمع إلى الأصوات، والخطوات، والحكايات، والذاكرة الناطقة في المكان.

"ثراء التجربة" أن يعود كل سائحٍ وهو يغلق وراءه بابًا عتيقًا ليس كما دخله، بعد أن أطلَّ من نافذة قديمة تروي حكاية، أو غرفة تسردُ قصة، أو رواق يصوِّر حياة، المكان كله تحوَّل أمامه إلى نصٍّ مفتوحٍ على التاريخ، ليعودَ محمَّلا بنتاج قراءةٍ عميقةٍ للتاريخ والهوية والانتماء والانسان.

نريدُ أن نصنع سائحًا حقيقيًا لا يأتي فقط ليحتسي كوبَ شايٍ في مقهى مطلٍّ على ضاحية نخيل، أو على شرفةِ وادٍ، ولا ليجرِّب وجبةً شعبيةً ثم يرحل محمَّلا بصورٍ في هاتفه، وإنما ليرحل وهو محمَّلٌ في ذاكرته بثراء التجربة ورائحة المكان، فثمةَ فرقٌ كبيرٌ بين من "زار" مكانًا، ومن "عاش" تجربته؛ الأولُ يجمعُ الصور، والثاني يجمع المعاني ويثري ذاكرته، الأولُ يعودُ بهاتفٍ ممتلئ بالصور والمقاطع، والثاني يعودُ بذاكرة عُمانيةٍ زاخرة العطاء.  

إن ثراء التجربة يُشعر الزائر السائح، أو المواطنَ أنَّ التاريخَ ليس مادةً خرساءَ في الكتب، بل تجربةٌ إنسانيةٌ حيّةٌ يمكنُ أن يتعلَّمَ منها قيمًا نبيلةً كالشجاعةِ، والصبرِ، والقيادةِ، والتفاني للوطن.

ولهذا فإنَّ من أعمقِ أشكالِ السياحةِ تلك التي تمنحُ الوعي سَعةً، وتأملًا، يرسخان في الذاكرة سنواتٍ طوال، فقد ينسى إنسانٌ ما مذاقَ طعامٍ تناولهُ في مكانٍ ما، لكنه لا ينسى قصةً سمعها عن قائدٍ عاشَ هناك، أو موقفًا تاريخيًّا جعلهُ يرى الوطن بعينٍ جديدة.

الشاهدُ أنَّ الأممَ الحيّةَ لا تحافظُ على تراثِها ليبقى مجرَّدَ ديكورٍ يلتقطُ فيه الناس الصور، ولا تقيم الصروح ليحتسي الناس فيها القهوة والشاي، وإنما لكي تكون مصدرًا لبناءِ الوعي، وترسيخ الانتماء، وتعميق الهوية، فالحصونُ، والقلاعُ، والأسواقُ القديمةُ، والحارات القديمةُ، ليست مجردَ معالمَ طينية وحجرية، بل خزائنُ للقيمِ والخبراتِ الإنسانية. وكلما تعمّقتْ تجربةُ المواطنِ الزائرِ في هذه الأماكن، ازدادَ فهمُهُ لذاتهِ ووطنهِ وتاريخِه.

إنَّنا بإِثرائنا تجربة الإنسان أيًّا كان مواطنًا أو مقيمًا أو زائرًا أجنبيًا إنَّما نقدِّمُ له سياحةً تتجاوزُ سياحةَ الأماكن المجرَّدة؛ سياحة العقل والوجدان والخيال والتاريخ، لترسخَ في ذاكرته عميقًا الأمكنة لا بصورها التي التقطها، وإنما بالروايات، والتفاصيل الصغيرةِ، والمواقف الإنسانية، والأحداث التي سكنت ذاكرته.

الأكثر قراءة

z