جان يعقوب جبور
حين يتقدّم أي وسيط دولي لقيادة مفاوضات سلام بين طرفين متنازعين، تصبح نزاهته جزءاً أساسياً من نجاح العملية أو فشلها؛ فالتاريخ الحديث للنزاعات يثبت أن الوسيط الذي يفقد ثقة أحد الأطراف يتحوّل تلقائياً من “جسر تفاهم” إلى عنصر إضافي في الأزمة.
وفي حالة لبنان وإسرائيل؛ حيث يمتد الصراع لعقود طويلة من الحروب والاحتلال والاغتيالات والتجاذبات الإقليمية، تبدو مسألة نزاهة الوسيط أكثر تعقيداً من أي ملف آخر في الشرق الأوسط. منذ اتفاق الهدنة عام 1949 بين لبنان وإسرائيل، برعاية الأمم المتحدة، برزت الحاجة إلى أطراف قادرة على إدارة التوترات الحدودية ومنع الانزلاق نحو الحروب. لكن التجربة اللبنانية أظهرت أن الوسيط لا يُقاس فقط بما يعلنه من حياد، بل بما يفعله على الأرض سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. فالحياد النظري لا يكفي إذا كان أحد الأطراف يعتبر أن الوسيط منحازٌ استراتيجياً للطرف الآخر.
خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، لعبت الولايات المتحدة دوراً مركزياً في التفاوض حول خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. يومها، ظهر الموفد الأميركي فيليب حبيب كأحد أبرز الوسطاء. ورغم نجاحه في التوصل إلى اتفاق أوقف جزءاً من العمليات العسكرية، إلا أن اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل ثم مجزرة صبرا وشاتيلا بعد أيام قليلة شكّلا ضربة كبيرة لصورة الضمانات الدولية، خصوصاً بعدما اتُّهمت القوى الدولية بعد توفير الحماية الكافية للمدنيين الفلسطينيين واللبنانيين.
وفي عام 1996، خلال عملية “عناقيد الغضب” الإسرائيلية ضد لبنان، برزت الولايات المتحدة وفرنسا كوسيطين أساسيين للتوصل إلى تفاهم نيسان/ أبريل. الاتفاق يومها تضمّن منع استهداف المدنيين من الطرفين وإنشاء لجنة مراقبة دولية. ورغم أن التفاهم خفّف منسوب التصعيد لفترة معينة، إلا أن اللبنانيين اعتبروا أن غياب آليات محاسبة حقيقية جعل إسرائيل قادرة على خرق الاتفاق لاحقاً دون أثمان سياسية جدية، بينما رأت إسرائيل أن وجود المقاومة المسلحة أصلاً يناقض مفهوم الأمن الحدودي.
أما بعد حرب تموز/ يوليو 2006، فقد دخلت الأمم المتحدة بقوة على خط الوساطة منخلال القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن في 11 آب/ أغسطس 2006. القرار نصّعلى وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتعزيز قوات “اليونيفيل”. لكن النقاش حول نزاهة الوسيط عاد مجدداً، خصوصاً أن إسرائيل ولبنان قدّما تفسيرات مختلفة لبنود القرار. إسرائيل ركّزت على منع تسلّح حزب الله، فيما ركّز لبنان على وقف الخروقات الجوية والبحرية الإسرائيلية التي استمرت بشكل شبه يومي وفق تقارير الأمم المتحدة نفسها.
نزاهة الوسيط لا تعني فقط التوازن في اللغة السياسية، بل الالتزام المتساوي بالقانون الدولي؛ فحين يُطلب من لبنان تنفيذ القرارات الدولية بينما يتم التغاضي عن ملفات مثل احتلال مزارع شبعا أو الانتهاكات الجوية الإسرائيلية، يشعر جزء كبير من اللبنانيين بأن المعايير ليست موحّدة وأن الوسيط غير عادل ومنحاز للعدو الإسرائيلي مع دعم مستمر سياسياً وعسكرياً لاستمرار احتلا الأرض وقتل الشعب وتهجيره.
في ملف ترسيم الحدود البحرية الذي انتهى باتفاق غير مباشر في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، لعب الوسيط الأميركي آموس هوكستين دوراً محورياً. الاتفاق اعتُبر إنجازاً دبلوماسياً لأنه سمح للطرفين بتحديد مناطق استخراج الغاز في البحر المتوسط دون حرب مع العلم أن هذا الوسيط قد لعب دوراً منحازاً من حيث الاتفاق والاستفادة وقبول الوفد اللبناني لأغراضٍ سياسية وإرضاء له مع التنازل عن حقوق لبنان وشعبه لمكاسب سياسية وسلطوية آنية ولاحقة.
ولهذا طُرحت العديد من الأسئلة حول مفهوم النزاهة؛ فواشنطن حليف استراتيجي لإسرائيل منذ عقود، وتقدم لها مساعدات عسكرية سنوية بمليارات الدولارات، ما يجعل جزءاً من اللبنانيين يشككون تلقائياً في حيادها الكامل. وفي المقابل، رأت إسرائيل أن نجاح الوساطة الأميركية جاء تحديداً بسبب نفوذ واشنطن وقدرتها على الضغط على الطرف اللبناني لتحقيق مكاسب إضافية لها.
التاريخ يوضح أن الوسيط الناجح في النزاعات الكبرى يحتاج إلى عدة مبادئ أساسية؛ أولها: الشفافية، أي وضوح الأهداف وعدم إدارة المفاوضات عبر قنوات غامضة تثير الشكوك الداخلية. ثانيها: الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة دون انتقائية سياسية. ثالثها: القدرة على تقديم ضمانات عملية لا مجردبيانات دبلوماسية. ورابعها: احترام سيادة الدول وعدم تحويل الوساطة إلى أداة لفرض مشاريع سياسية أو اقتصادية تتجاوز جوهر النزاع.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، غالباً ما تسقط الوساطات عندما تختلط المصالح الاستراتيجية بالمهمة الدبلوماسية؛ فالولايات المتحدة، رغم قدرتها على التأثير، تبقى بالنسبة لكثيرين طرفاً قريباً من إسرائيل سياسياً وعسكرياً. أما الأمم المتحدة، فرغم شرعيتها الدولية، فتعاني من محدودية القدرة التنفيذية بسبب الانقسامات داخل مجلس الأمن. أما الدول الأوروبية، فغالباً ما تُتهم بالعجز عن فرض التوازن الفعلي في الملفات الأمنية الحساسة. فأين لبنان من هذه الوساطة؟
لبنان نفسه يواجه معضلة داخلية في مقاربة أي وساطة. فالقوى السياسية اللبنانية ليستموحّدة حول تعريف العدو أو شكل السلام أو حتى مفهوم السيادة أو حتى تعاطف البعض مع الكيان الصهيوني. وهذا الانقسام يجعل أي وسيط عرضة لاتهامات متناقضة في الوقت نفسه؛ فهناك من يراه متساهلاً مع إسرائيل، وهناك من يعتبره متساهلاً مع المقاومة. وبالتالي، تصبح نزاهة الوسيط مرتبطة أيضاً بقدرته على فهم تعقيدات الداخل اللبناني وعدم التعامل مع لبنان ككتلة سياسية واحدة.
التجارب الدولية من البوسنة إلى إيرلندا الشمالية أثبتت أن السلام المستدام لا يولد فقط من اتفاقات أمنية، بل من شعور الأطراف بأن الوسيط لا يعمل لمصلحة طرف ضد آخر. وعندما يفقد هذا الشعور، تتحول الاتفاقات إلى هدن مؤقتة قابلة للانفجار عند أول أزمة.
وفي النزاع اللبناني الإسرائيلي، تبقى نزاهة الوسيط امتحاناً دائماً بين المبادئ والمصالح. فكلما اقترب الوسيط من لغة العدالة واحترام القانون الدولي والضمانات المتوازنة، ازدادت فرص الاستقرار. أما حين تصبح الوساطة امتداداً لموازين القوة وحدها، فإن أي اتفاق يبقى هشاً مهما حمل من توقيعات أو رعاية دولية. وعندما يبقى الوسيط يمارس الازدواجية في التعامل مع الأطراف تسقط المفاوضات والتسويات.. وعلَّ الطرف اللبناني يفهم ذلك!
