حسين الراوي
في أواخر القرن التاسع عشر، في ذروة الترف والاختلال الذي عاشه البلاط القاجاري، استُحدِث في عهد الملك ناصر الدين شاه، منصب لا نجده في كتب الإدارة ولا في دفاتر دواوين الدول من قبل ولا من بعد، بل، ألا وهو منصب "أمين الضرطة"!
كان صاحب هذا المنصب فتى يقف عند باب الحمّام الملكي من الداخل. وما إن يدخل الملك حتى يبدأ الفتى بالغناء بصوت عالٍ، دون توقف، لا طربًا ولا تسلية، بل لأداء وظيفة تقوم على إغراق المكان بالضجيج لكيّ يُغطي على تلك الأصوات التي يطلقها الملك وتجنبه الشعور بالحرج!
باختصار .. لم يُطلب من الفتى سوى أمر واحد فقط: أن يكون صوته أعلى من صوت الحقيقة.
بعد فترة اتضح جلياً أن ذلك الفتى "أمين الضرطة" أدّى مهمته بكفاءة وإخلاص، فأعجب الملك بولائه وسرعة بديهته، ورأى فيه أهليةً ليكون قريب منه، فقام بترقيته إلى "حامل أبريق حمّام الملك". وهكذا انتقل الفتى من ستر الصوت الخارج من الجسد إلى خدمة الجسد ذاته، في منطق بلاطي لا يخضع لأهمية المناصب والكفاءة بقدر اهتمامه بالجانب الذي يبعث له لاسترخاء واللذة!
انتهت الدولة القاجارية، وانتهى ملوكها، وراحت قصورها واختفت حماماتها، وتحوّل تاريخها إلى حكايات، لكن منصب أمين الضرطة لم ينتهِ بعد!
تبدّل زمانه وشكله، وتغيّرت لغته، ولم يعد مرتبطًا بأي حمّامات ولا أباريق، حيث لا يظهر اليوم “أمين الضرطة” واقفاً عند أبواب الحمّامات كالسابق، بل تجدونه واقفاً عند أبواب بعض المسؤولين والتجار وأصحاب النفوذ، لم يعد يغنّي، بل: يكتب مقالًا يجمّل القبح، أو يلقي خطابًا يبرّر الفساد، أو يصدر فتوى تشرعن الظلم، أو يقدم نصيحة كاذبة يُسوّق فيها للغش!
الوظيفة واحدة لم تتغير: التغطية على ما يفعله الطغاة والفاسدون، ورفع الضجيج كي لا يسمع الناس الحقيقة.
في منطق السلطة، لا يُكافأ من يقول الحقيقة، بل من يعرف متى يرفع صوته ليخفيها. فالترقية ليست لمن يواجه، بل لمن يغطّي. والقُرب من صاحب المنصب ليست لمن ينصحه، بل لمن يحميه من الإحراج، ولو على حساب المجتمع كله
لهذا، ليست المأساة في وجود الفاسدون والطغاة وحدهم، فالتاريخ لم يخلُ منهم يومًا، بل في أولئك الذين قبلوا طوعًا أن يكونوا أمناء ستر وتغطية، وأن يحوّلوا الضجيج إلى مهنة، والسكوت إلى فضيلة، والكذب إلى موقف أخلاقي.
سقطت القاجارية كنظام، لكنها بقيت كمنطق. وبقي منصبها الأبرز هو من يغنّي ليُغرق هدوء الحقائق بضجيج الباطل، في وقت تحتاج فيه الحقيقة أن تُسمع.
