الكل يتذمّر.. ما الذي يحدث؟!

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي

في المقاهي، وفي ممرّات العمل، وبين التجمعات العائلية، وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، وحتى في الأحاديث العابرة بين الأصدقاء، يخيَّل للمرء أنّ لغةً واحدةً باتت تسود، هي لغة «التذمّر»، أو كما نسميها في الخليج "التحلطم"، وتعني الشكوى بصوتٍ مسموع والتذمّر المتكرر، ويُطلَق على من يكثر من الاعتراض والزن، وغالبًا ما يكون بدافع التفريغ العاطفي أو استدرار التعاطف.

الجميع يشكو من ضغوط الحياة، ومن ضيق الوقت، ومن جمود الفرص، ومن التعليم، ومن الغلاء، ومن الطقس، ومن شعورٍ عام بأن الأمور لا تسير كما ينبغي. لم يعد هذا الامتداد الأفقي للتذمّر حالةً فرديةً عابرة، بل تحوّل إلى ظاهرةٍ جماعيةٍ متنامية تستحق التوقّف عندها بجدية. فما الذي يحدث فعلًا؟ ولماذا يبدو أنّ التذمّر قد أصبح مزاجًا عامًا وسلوكًا يوميًا نمارسه، بل ونتقنه باحترافية عجيبة؟

جزء من الإجابة يكمن في تسارع الإيقاع اليومي للحياة المعاصرة؛ فالعالم اليوم يتحرك بسرعة تفوق قدرة الإنسان الطبيعية على التكيّف والمجاراة. التكنولوجيا التي كنا نعتقد بأنها ستخفّف الأعباء، رفعت سقف التوقعات ووسّعت دائرة المقارنة. لم يعد المرء يقيس نفسه بجيرانه أو زملائه فحسب، بل بملايين الصور والقصص والمقاطع المنتقاة بعناية على الشاشات. هذا الفارق المستمر بين الواقع المعاش والصورة المثالية والمزيفة في وسائل التواصل الاجتماعي يخلق شعورًا دائمًا لدينا بالنقص والدونية وعدم القناعة، ويغذّي التذمّر ويمنحه مبررًا نفسيًا، ويقتل كل جميل في حياتنا اليومية.

ومن زاوية أخرى، تتقاطع الشكوى مع الضغوط الاقتصادية التي تطال شرائح واسعة. ارتفاع تكاليف المعيشة، هشاشة بعض الوظائف والتسريح، وتقلّب الأسواق، كلها عوامل تُضعف الإحساس بالأمان. حين يشعر الإنسان بأن جهده لا يقابله استقرار مادي، يصبح التذمّر لغة احتجاج صامتة، بل أحيانًا صرخة غير مسموعة في وجه أنظمة وتعقيدات أكبر منه.

غير أن التذمّر لا يُختزل في العوامل الخارجية وحدها. ثمة بعدٌ ثقافي يتعزّز مع الوقت: انتشار ثقافة الإفصاح اللحظي. منصات التواصل لا تشجّع التأمل بقدر ما تكافئ ردّ الفعل السريع. الشكوى، بحكم بساطتها وانتشارها، تحصد تعاطفًا فوريًا وإعجابات سريعة، ما يعزز تكرارها. هكذا تتحول المشاعر العابرة إلى سرديات ثابتة، ويصبح التذمّر عادة أكثر منه موقفًا.

ومع ذلك، ليس كل تذمّر سلبيًا. ففي بعض الأحيان، يُعدّ مؤشرًا على وعيٍ متنامٍ. الشكوى قد تعبّر عن رفض لواقع لا يفي بالحد الأدنى من الطموحات والاحتياجات، أو عن توقٍ لتحسين الشروط والمعايير. المشكلة تبدأ عندما يتوقف التذمّر عند حدّ التعبير ولا يتجاوزه إلى الفعل، أو عندما يتحول إلى عدوى جماعية تُغذّي الإحباط و التشاؤم بدل أن تفتح باب الحلول والأمل.

السؤال الأهم إذن ليس: لماذا نتذمّر؟ بل: كيف نتجاوز التذمّر إلى مسار أكثر نضجًا؟ الجواب قد يبدأ بإعادة ترتيب التوقعات، وبناء مسافة صحية مع المقارنات الرقمية، وتعزيز ثقافة الإنجاز الصغير بدل انتظار التحولات الكبرى. كما يمرّ عبر تحويل الشكوى من خطاب استنزافي إلى تشخيص صريح يقود إلى مبادرات، مهما بدت متواضعة.

في المحصلة، التذمّر الواسع ليس صدفة ولا عيبًا فرديًا، بل مرآة لمرحلة انتقالية يعيشها العالم والإنسان معًا. إن إدراك جذور التذمر هو الخطوة الأولى لتحويله من ضجيج يومي إلى وعيٍ نقدي، ومن عبء نفسي إلى طاقة تغيير. فربما لا تكون المشكلة في كثرة الشكوى بقدر ما هي في ندرة الإصغاء لما نقوله حقًا.

وفي الختام، يقول أحدهم: أصبحت أتذمّر من التذمّر نفسه، لكن ما يزعجني حقًا أن لا أحد يتذمّر منه مثلي!

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z