متى نضع الإعلامي في المكان الذي يستحقه؟!

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

الإعلامي الحقيقي هو رسول السلام ومفتاح المعرفة وباني عقول الأجيال بالمعلومة الصحيحة التي تُنير الطريق المُظلم للجماهير التي أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالقنوات الإعلامية التي تعتمد على المعايير المعروفة والمتمثلة في الصدق والموضوعية والتوازن، وهذا المعيار الأخير يعني منح الأطراف جميعًا فرصة للتعبير عمَّا يدور في خلدهم من أفكار، وذلك من خلال نفس الوسيلة أو المنصة الإعلامية؛ فالرأي والرأي الآخر من أهم مبادئ ما يعرف بالإعلام الحُر.

الإعلامي الذي جرى تأهيله بشكل صحيح يمكن تشبيهه بالشمعة التي تحترق من أجل الآخرين؛ فهو يضيء برسائله الدروب المظلمة للمجتمع المتعطش للمعرفة، ويتعرض للمضايقات من كل الأطراف التي يكون لها علاقة بالحدث الذي يتناوله الصحفي؛ فالكل ينظر للإعلامي على أنَّه خصم له وعدو يجب محاسبته على ما يقوم فيه من تغطية إعلامية؛ خاصة عند ما يكون الأمر في مجال التحقيقات الاستقصائية التي هي في الواقع نادرة في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج؛ وذلك بسبب القيود التي تُفرض على الصحفي في مثل هذه الأعمال من الفنون الصحفية. وفي الشهر الماضي طرح أحد الحضور سؤالًا منطقيًا في نهاية محاضرتي التي كانت عن "الإعلام والرأي العام في زمن الحرب"؛ إذ كان مضمون السؤال: "لماذا يقوم الإعلام بنشر ما يعرف بغسيل المسؤولين والمعروف بالسلبيات في المنصات الإعلامية؟ ولماذا بدلًا من ذلك لا يتم مخاطبة المسؤول مباشرة بشكل شخصي وابلاغه ما يريده الصحفي؟".

فقد كانت إجابتي على النحو الآتي: "من المؤسف أن صحفي لا يستطيع مقابلة صناع القرار ومناقشتهم بإخفاقات وسلبيات المؤسسات التي يتولونها، بحيث يتم مصارحتهم بذلك وتصحيح تلك الأخطاء أن وجدت؛ فهناك حُرَّاس بوابات يغلقون المنافذ والأبواب أمام الإعلامي، ويجعلون من وصوله أمرًا صعبًا جدًا إن لم يكن مستحيلًا، إلّا إذا كان بدعوة من الوزير أو المسؤول نفسه، الذي يرغب هذه المرة في إبراز إنجازاته وتجاهل التحديات والإخفاقات!

ويجب التأكيد على أنَّ الإعلام الحُر هو ضمير الأُمَّة ومِرآة المجتمع وممثل المظلومين لكونه المنبر الذي ينقل الأخبار والمعلومات والثقافة والتراث للأجيال المتعاقبة، وكذلك هو المراقب لأحوال الشعوب ومعاناتهم ومصيرهم من جور الحكومات الدكتاتورية والاستبدادية عبر التاريخ. وقد خطت بعض المجتمعات المثقفة والحرة خطوات إلى المعالي والتقدم والازدهار بفضل دور الصحافة التنويري؛ فالصحافة وسيلة من وسائل النهوض والرقي بالفكر الإنساني إلى غاياته السامية.

وهناك من يقول: إذا تريد أن تعرف حقيقة أي شعب من الشعوب، فعليك أن تعرف ماذا يقرأ؛ وذلك من خلال الاطلاع على الصحف الصادرة في الصباح في ذلك البلد، لأنَّ مضامينها تعكس المستوى الثقافي والسياسي والإنساني للمجتمع الذي يحتضن مثل تلك المطبوعات، وفي هذه الأيام تبرز الوسوم و"التراندات" المتصدرة على المستوى الوطني والعالمي.

وعلى الرغم من هذه الواجبات والأدوار الفكرية العظيمة التي لا غنى عنها في هذا العصر للإعلام، يتعرض الصحفي للاضطهاد والتهديد والحرمان من الحقوق المالية والمعنوية، بل يتعرض في أحيان كثيرة للفصل من العمل والسجن، بل يصل الأمر بالسلطات الدكتاتورية التي لا تحتكم للقوانين والدساتير التي كتبتها إلى إغلاق المؤسسة الصحفية أو مصادرة الأجهزة الرقمية التي استخدمت في النشر والتصوير في بعض الأحيان في كثير من دول العالم.

دور الإعلام الأساسي هنا مُغاير ومعكوس؛ إذ أصبح يتمثل في تمجيد السلطة التنفيذية ووضع كبار المسؤولين في منزلة المعصومين من الأخطاء والخطايا، فلا تدور حول هؤلاء الرموز المقدسة الشبهاتُ، فقد حرصت السلطات التنفيذية في تلك البلدان على تغييب الدور التنويري والرقابي للسلطة الرابعة.

وأخيرًا، في دراسة علمية طبقتها شخصيًا على أعضاء جمعية الصحفيين العُمانية، والعاملين في وسائل الإعلام في سلطنة عُمان بعنوان: "العوامل المؤثرة في العمل الإعلامي العُماني: دراسة ميدانية على الصحفيين والإعلاميين في سلطنة عُمان"، ونشرتها جامعة السلطان قابوس في إحدى مجلاتها المحكمة، كان أهم وأكبر تحدي يواجه الكوادر الإعلامية- حسب الدراسة- ضعف الرواتب والحوافز المالية يمثل؛ إذ أكدت الغالبية العظمي من أفراد العينة- وسواء أكانت من قطاع الإعلام الحكومي أم الخاص- عدم رضاهم عن الرواتب، ومن هنا حان الوقت لرفع دخل العاملين في هذا القطاع الفكري؛ حيث إن تحسين وضعهم المالي والمعنوي ينعكس إيجابيًا على مضمون الرسالة الإعلامية وجودتها التي بلا شك تُشكِّل قيمةً مُضافةً للمجتمع العُماني الذي يتطلع إلى إعلامٍ يتمتع بمحتوى إبداعي يُنمِّي العقول ولا يُضلِّلُها.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z