منال السيد حسن
الشعورُ الذي لا يُفسر هو ذاك الذي يتجلى في روحِك كشمسٍ حُرة لا قدرة لأحدٍ على حجبها.. بركانُ العشق الذي يفورُ فيك ولا يخمد.. ارتجافةُ المشاعر وهياجةُ الأحاسيس.. الشعورُ الذي يغمرك بكلِ الودِ والعطفِ والأمان.. روحُك الحرة تتبسم.. قلبكُ الأخضر يتنسم.. ارتباكٌ يتملك كل خلية في جسدك.. تورطٌ حد الثمالة.. الشعورُ الذي تُورقُ فيه أشجارُ الوصلِ بحرية ويبقيكَ في حالةٍ من التيه والغرق.. ويصلُ بك إلى التقاء روحين معا لقاء الخلود..
إنه شغورٌ ينساب ُفيك ويتسامى بك.. تتورط به ويترك فيك بقايا لشوقٍ ملتهب ويبقيكَ في حالةٍ خرافية من الارتباكِ الجميل.. شعورٌ يفيض في ثنايا الروحِ كنهرٍ عذبٍ.. الشعورُ الذي يظلُ عالقًا بك ويمنحُكَ شغفا فوضويًا يجعلكَ مشدوهًا طوالَ الوقتٍ تواقًا لعناقٍ أثير.. شعورٌ يجعلُ كلَ بحارِ العالم تُمارسُ ظاهرةَ المدِ في جوفِ يديك بلحظة!!
لم نعترف أبدا بالمستحيل؛ لعلها كانت استجابة لإحدى دعوات الليل الممزوجة بالبكاء.. وأراني الله بعدها حلاوة يقيني به بعد الرجاء.
سيدي وعزيزي الذي لا إنسانَ يُشبهه؛ بل إنَّ الإنسانية تعرف به؛ لا أحدَ يعوضه ولا كلمات توفيه.. الشوق إليه أبدًا لا ينام.. والليالي على اتساعها تبقى عاجزة عن قضاء حوائجي إليه.. في كل مرة ظننت أني عرفتك بها؛ أدركت في كل مرة بعدها أنني لم أكن أعرفك.. حتى عرفت من الحقائق ما أزهر بي فسحة الأمل.
سيدي وعزيزي.. الوحيد الذي لا عزيزَ يشبهه: إن كل حديثٍ بيننا سحر.. وكل طلة منك يرفرف بها فراشة حريتي.. وكل ابتسامة منك تعكس مدى تأصلك في روحي.. وتريني جذورك الممتدة من أقصاك إلى أقصاي.. ولا أخجل في الاعتراف بما أنت أعلم به.
بدأت هذا العام بامرأة لا تشبه ما كنت عليه سابقًا.. امرأة تسير بخطى مدروسة تحارب بها ضد أي تيار لا يتناسب ومعتقداتها.. بصلابة وقوة مبالغ بها.. قوة لم أتخيل أنها تميزني قط.. قوة تجعلني لا أخجل من عواطفي أبدا متمسكة بجنوني واستثنائيتي.. حفرت بيدي مقبرة للذكريات جميعها غير مكترثة بأيٍّ منها إطلاقًا.. وأصنع كل يوم ذكريات جديدة حلوة؛ لأنها تعجبك.. هم لديهم العالم بما فيه ويكفي أنه لدي أنت.. أنت بكاملك..
أحب كوننا نشبه بعضنا حين نحكي بلغة الطيور.. وحين تغيب أفتقدك مثلما أفتقد هديل حمامك الذي يحط أمامي دائما حين كل لحظة خوف أو قلق فأطمئن.. أو تمايل النوارس على شاطئ البحر مقابلنا في صباحاتنا القديمة.. واكتشفت أننا نضحك معًا كأننا نكتشف الحياة لأول مرة.. واكتشفت أيضًا أنك الوحيد القادر أن تجتثني من كل ما هو عالق بي أو عالقة به وتحلق بي ومعي إلى عوالمٍ من المودة والرحمة.. نصنع أحلامنا على طريقتنا الخاصة ونكتب بقلوبنا البيضاء وبأيادينا الشريفة رحلتنا معا إلى الفرح.. أمتن لدفء جوارك.. ووجودك الحنون في أيامي.. أمتنُ حتى لقسوة الأشياء التي تجعلنا نلتقي بمزيد من الصمت.. الصمت الذي حتى نتشاركه سويا ونحن نعلم أن قلوبنا تتحدث وعقولنا تستكين من جمر أفكارنا المشتعلة.
أحبه كونها هو.. هب أنه بضعة مني.. النور الذي يكشف الذات.. لا أحد يبصرني كما هو.. حين أبتلع ريقي لأخفي هشاشتي يكتشفني في هدوء عجيب.. يمدني بالنور.. دائمًا.. معه تنتشي عصافير بصدري.. تلك التي كانت أوشكت أن تهجر أعشاشها.. ندرك بعضنا بحواسِّنا كلها.. أعود نضرةً في حضوره.. أعود شجرة!
نلتقي هكذا لأننا صادقون هكذا.. نحب هكذا.. حقيقيون هكذا.. يرحل الجميع مني وتبقى أنت تشرق في سمائي مثل قمر يهطل بالبياض.
يُبقيني في حالة من التيه والغرق لا أجد لها وصفا سوى أنه أبقى روحي وقلبي وعقلي وكلي على حافة الجنون وما من وسيلة للنجاة.. يدهشني كثيرا كل هذا الكم من التوق.. والشوق حتى النخاع.. دون قانون يحكم علاقتي معك.. يدهشني كثيرا كيف لي أن أبقى مشدوهة إليك برغم كل المعوقات التي نعلمها.. وهذا الجنون الثائر وذاك الانقلاب العنيف الذي لا يستثني أي خلية في جوانب الروح والعقل والقلب والجسد.. أتدري؟! أنا لا أحتاج أن أعرف إلى ماذا سأؤول؟!! طالما في روحك لي متسعا ومرقدا.
أنا والله لا أنساك كي أتذكرك، ولا أبتعد كي أقترب.. ألبستني ثوب عشقك وحاكيته في تفاصيل جسدي فمن أين آتي بالقدرة على أن أغفو عنك ولو في أحلامي؟!! أنت رغبةٌ حادة لا أقدر على مقاومتها حتى من نظرة.. عندما أتوغل بك؛ أشعر وكأني رحالة في بلاد العالم أجمع.. غزيت كل الأكوان.. قابلت كل الفلاسفة.. عانقت كل الشعراء.. استبحت كل التقاليد والأعراف.. أشعر وكأني تجليت أمامك كشمس حرة لا يقدر أحدٌ على حجبي سواك.. أؤمن بكل موروثاتك الشرعية.. وكل ثوابتك ومبادئك التي تغريني.. أمارس معك كل اشتياقٍ تسامى حد السماء.. دون التفات إلى شيء عداه.. أستشهد بك في كل أحاديثي.. غارقة أنا حد الثمالة.. ممتنة لكل اللحظات التي جعلتني أدرك فيها من أنا بصمتي وقوتي وصبري وتجاوزي.. وبكوني لا أتعب من طول المسافات لأني أؤمن بحتمية الوصول.. أو كما تقول لي دائما (الصبر جميل.. اللي يصبر ينول).
أتعلم؛ حين أقرأ حروفك أراك.. وآه لوتراني حين أقرؤها.. تحلو الأشياء في عيوني بما فيها من طول المداد مع المداد.. تخاطبك بكل خواطر الحب وتمدها إليك دفعة واحدة.. تصارحك أن كل شيء دونك باهت جدا.. ولا شيءٌ عداك ينير ظلمتي.
وأنا هنا أقف على حدود نظرتك.. نظرتك التي حين ترخيها داخل نظرتي تملؤها بلين عطفها وجمال حنوها.. ألا ليت الكون كله هي.. ألا ليت الكون كله هي.. فيا جمال وجدك حين ألقاك في الكلام حسا ناعما.. أكتب حرفا من اسمك فأرتجف.. يا وحي أناملي حين تربت على الورقة فتسلم أناملك عليّ كأنك أنت.. أنت تسلم علي.. ويح الشعور الذي من فرطه زادني بلاغة وأذاقني من جماله بهاء.. فهززت بجذعه فيك فتحقق حُلوَ يقيني وأسقط عليَّ رطبا جنيا.. فارتوى داخلي بعد أن كنت قاب قوسين أو أدنى من الموت عطشا لهذا الجمال.
يغني كاظم الساهر رائعة نزار ويقول "زيديني عشقًا زيديني.. يا أحلى نوبات جنوني.. زيديني غرقًا يا سيدتي.. إن البحر يناديني.. زيديني موتًا علّ الموت إذا يقتلني يُحيني".. وأنا أقول إني في جب بحرك أحيا حين أغرق في تفاصيل نظرتك البهية.. وأحيا حين تتموج ابتسامتك الثنية.. وأحيا حين يبزغ الفجر في دواخلي عندما أكتب إليك.. وإن كنت يا سيدي سأحيى بهذا الغرق فيكفيني أني سأحيى.. وإن كنت يا سيدي سأفنى بهذا الغرق فيا جمال قدري أني به سأفنى.
