لماذا نفكر بعقول غيرنا؟

 

 

 

عمر بن قاسم السالمي

مشاريع تُنشأ لأنَّ مثيلها نجح، لا لأنها فُهمت. ومسارات تُختار لأنها الأكثر شيوعًا، لا لأنها الأنسب. وفرص تُهدر دون أن تُقرأ. والنتيجة ليست تعثرًا عابرًا، بل نمطًا مستمرًا، حيث يُعاد إنتاج الخطأ في صورٍ متجددة.

ليست الأزمة في قلّة المعرفة، بل في تعطّل التحليل وسط وفرة الأفكار الجاهزة. فالعقل عند البعض لم يعد يُستعمل أداةً للفهم والكشف، بقدر ما أصبح وسيلةً لترديد السائد وإعادة إنتاجه. وهكذا، يظنّ كثيرون أنهم يفكّرون، بينما هم يتحركون داخل حدود فكرٍ صاغه غيرهم سلفًا.

لم يوجّه القرآن الإنسان إلى مجرّد النظر، بل إلى ما وراءه؛ إلى التفكّر والتدبّر والتعقّل، بوصفها مفاتيح الفهم قبل الشروع في الفعل. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. لم تكن هذه الدعوات تكرارًا لفظيًا، بل تأسيسًا لمنهجٍ رباني في النظر إلى الواقع؛ حيث لا يُكتفى برؤية الظواهر، بل يُطلب فهمها، ولا تُؤخذ النتائج كما تبدو، بل تُبحث أسبابها.

من هنا، لا يكون التحليل والفهم أمرًا طارئًا على ثقافتنا، بل جزءًا أصيلًا من بنائها. فالتحليل، في جوهره، هو القدرة على الانتقال من ظاهر الشيء إلى معناه، ومن النتيجة إلى سببها، ومن الفكرة كما تُعرض، إلى الفكرة كما ينبغي أن تُفهم.

غير أن الإشكال لا يكمن في غياب هذا الأصل، بل في تعطيله داخل الممارسة. حين يتقدّم الفعل على الفهم، وتُتخذ القرارات بدافع الشيوع أو الألفة، يتحوّل العقل من أداة تحليل، إلى أداة تلقٍّ وتكرار. وهنا، لا يغيب الجهد، بل يغيب اتجاهه وأثره.

أما حين يستعيد العقل وظيفته الأسمى التي كرّم الله الإنسان بها، فإنَّ العلاقة مع الواقع تتبدّل. لا يعود الإنسان متأثرًا بما يحدث فقط، بل واعيًا بكيفية حدوثه. ولا يتحرك استجابةً، بل اختيارًا. ومن هنا، تتحول الفكرة من ردّة فعل، إلى فعلٍ مؤسس على الفهم، ويصبح القرار تعبيرًا عن رؤية، لا عن اندفاع.

وإذا امتد هذا التحول إلى المجتمع، فإنَّ أثره لا يكون سلوكيًا فحسب، بل بنيويًا. تُبنى المشاريع على فهم، لا على تقليد. وتُتخذ القرارات ضمن رؤية، لا مجرد تكرار. وتُدار الأخطاء بوصفها خبرةً تُراكم المعرفة، لا نهايةً تُعطّل المسير. لتصنع نهضةً لا تقوم على ما نملكه فحسب، بل على ما نفهمه ونُحسن توظيفه لصناعة المستقبل.

غير أنَّ هذا التحول لا يتحقق بالخطاب وحده، بل ببناء أدواته: في التعليم، حين يُقدّم الفهم على التلقين، وطرح السؤال على الإجابة. وفي المجتمع، حين يُفسح المجال للنقاش، ويُرفع الحرج عن التفكير والاختلاف. وفي الفرد، حين يستعيد أهم وظيفة لعقله: أن يفهم قبل أن يقرر، وأن ينظر قبل أن يتبع ويقلّد.

وفي المحصلة، لا نحتاج إلى إضافة شيء جديد، بقدر ما نحتاج إلى استعادة ما وُجّهنا إليه أصلًا؛ أن يكون العقل أداة فهم، لا أداة تكرار. وأن يكون الفعل نتيجة إدراك، لا استجابة. وفي هذا، يتحدد موقعنا: إما أن نقرأ الواقع بوعي، فنشارك في تشكيله، أو نمرّ خلاله كما يُمرَّر بنا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z