وجمة.. الدرّة المكنونة بجبال وادي السَّحتَن

 

 

غنية الحكماني

هنالك في أقاصي جبال وادي السَّحتَن تنزوي قريةٌ هادئةٌ مُنعزلةٌ، نأت بنفسها عن ضجيج العالم والأحداث المتناشبة حوله، خلف تلك الوعورة الصّعبة والانحدارات الشديدة والانحناءات الضيّقة التي تستنفر كل الميكانيزمات الدفاعية. نغضّ الطرف أحيانًا ونتشوّق أحيانًا لعمق الهُوَّة والفجوة من طرْفٍ خفيٍ.

هناك كانت "وجْمة" تنتظرنا بكلّ سعة صدرٍ وحفاوة ترحيب. لم تعبث بها يدُ التطور والحداثة، فلا زالتْ مُحافِظة على سجيّتها وملامحها الأولى ومتمسّكة بأصالة كينونتها ونسَقِها الماضي.

تُسنِد القرية ظهرها على جبالٍ شاهقة تشدّ من أزرها وتقوّي من صلابتها وعزيمتها وتزيدها مهابة وشموخا. تهبط منها مدرّجات زراعية على ارتفاع الجبل تكتسي حلّة خضراء بالأوقات الماطرة. وتتدفق من بين صخورها العيون المائية تجري في سَواقٍ معلّقة كجسرٍ بين ضفّتّي جبلٍ وكجداول تجري بالأرض، تعكس حنكة الإنسان العماني القديم في فنّ تصميمه الهندسي للأفلاج. تمدّ تلك القنوات كل جَلْبة زراعية نصيبها المقدّر من الماء. وتحمل ما تبقّى إلى بركة كبيرة بعمق مترين، بركةٍ عذبةٍ تعكس ظلال النخيل الباسقة وصفحة السّماء فوقها.

تبعد القرية مسافة 4 كيلومترات من نهاية الطريق المعبد من ظهرة القلين إلى قمّة وجْمة، وسيرًا على الأقدام من الفرّاعة بمسافة 3 كيلومترات، وبارتفاعٍ فوق سطح البحر ما يقارب 1250 مترًا. تتمتع القرية باعتدال المناخ صيفًا؛ لحظوة جوارها لجبل شمس. وبها معالم أثرية عريقة وشواهد تاريخية تدلّ على رسوخ التاريخ الضارب جذوره في القِدم، من مساجد ومجالس وبيوت طينية عتيقة مُتدرِّجة فوق السفح ومتراصفة مع بعضها في مشهدٍ يفيض بالتّلاحم والدفء وانسجامٍ معماري باهر. وتنبت من تربة وجمة الخصبة محاصيلَ زراعية وخيراتٍ وفيرة متنوعة، وبعض النبتات العشبية المعروفة باستخدامها كعلاجاتٍ شعبية لبعض الأمراض بعيدًا عن العقاقير الطبيّة آنذاك.

وما أبهر القرية جمالاً وازدانها رونقا النّزُل الذي يتربّع بكل وداعةٍ وسط القرية، قطعة فنيّة خياليّة لا توصف جماليته لقرية وجْمة. أبعثَ النّزل روح الحياة في وجْمة وكشف عن مكامن ومواضع السّحر والجَمال في أفيائها. يتلألأ النّزل عندما يرخي الليل سدوله فتستبين ملامح وجْمة العتيقة وتنساب نسماتُ المساء بلطفٍ بين جنباتها التي يلتقي فيها عبقُ الماضي بسحر الطبيعة، كأنّما تهمس تراتيل الحنين والسّكون. وتشاطر النّجوم استكمال لوحة وجْمة السّاحرة بلَمعان نورها وانسياب بريقها على القرية في مشاهدةٍ حيّة لا يملّ من إغداق التأمل إلى لوحتها بشاعريّةٍ تعانق المكان.

النّزُل الذي استغرِق بناء وترميم لَبِناته ثلاث سنوات بجهود متواصلة، إحياءً لعراقته القديمة الممزوجة بلمساتٍ عصرية هادئة. تمّ استخدام الصّاروج في البناء والترميم ليقوم بآلية التبريد وعزل الحرارة، ويكون بمثابة تهوية طبيعية للغرف. في النّزل عدّة إطلالات وكل موضع إطلالة تحكي تفاصيل استثنائية للطبيعة لا تتكرر روايتها في مكان آخر. وحديقة غنّاء في فناء النّزل، وبين ممراتها الزراعية المتناسقة يجذبك أريج نبتاتها العطرية وتعانقك أشجارها المحمّلة بالثمار والأعناب، طبيعةٌ نضيرةٌ تخلب العين واللّب والإحساس.  

وجْمة المتفرّدة بسحر طبيعتها الفاتنة والوادعة بأعلى جبال وادي السّحتن. هي مقصد لمحبّي المغامرات والاكتشافات، وملجأ للهدوء والانسجام، ومهرب من ضجيج ومعمعة الحياة. هناك تُلقي النّفس كل متاعبها وضغوطاتها وتتخلّى عن أثقالها التي على كاهلها، وتستفرد بذاتها وروحها التي بين جنبيها فقط، وتجدّد طاقتها وتستجمع قواها وعزيمتها لمزيدٍ من العطاء والإنجاز. وجمْة الدرّة المكنونة في أعالي جبال السّحتن تستحق إضافتها ضمن جدول السّياحة الدّاخلية، التي تجمع روح الماضي التليد وسحر الطبيعة الآسرة.

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z