حسين الراوي
"إذا مات شاعرٌ في مكان ما من هذا الوجود ماتت في مكان آخر شجرة، وتساقطت أوراقها قبل الفجر. إذا مات شاعرٌ انطفأت نجمةٌ، وتخاصم حبيبان، وضاع خاتمٌ، وأصبحت الدنيا أقل".
في حياة غازي القصيبي محطات كثيرة، بين الوزارة والدبلوماسية والأدب، لكن بعض اللحظات لا تُقاس بالمناصب، بل بعمقها الإنساني. ومن بين هذه اللحظات، تبرز زيارةٌ عابرة في ظاهرها، لكنها خالدة في معناها: لقاءه بالشاعر حمد الحجي داخل مستشفى الصحة النفسية بالطائف (شهار). لم تكن زيارة بروتوكولية، بل مواجهة صامتة بين إنسانين: أحدهما يملك السلطة… والآخر فقد كل شيء.
وُلد حمد الحجي عام 1938، وظهر مبكرًا كصوت شعري مختلف، يحمل حسًا مرهفًا ونبرةً حزينة تنبئ بموهبة كبيرة. لكن هذا الصوت لم يكتمل. في مطلع شبابه، أُصيب باضطراب ذهاني مزمن (فصام)، كما توثّقه الدراسات الحديثة، ومنها كتاب قصة حمد الحجي: قراءة طبية جديدة. هذا المرض لم يسرق وعيه بالكامل، بل جعله يعيش حالة أكثر قسوة: وعيٌ حاضر… بلا قدرة على التعبير، إحساسٌ عميق… بلا كتابة، شاعرٌ داخلي… بلا صوت. ولهذا، حين سُئل لاحقًا عن الشعر، لم يقل إنه نسيه، بل قال: “جفّ المداد”، وهي عبارة تختصر مأساة كاملة: ليس فقدان الإحساس، بل فقدان القدرة على إخراجه.
تنقّل الحجي بين محاولات علاج متعددة، قبل أن يستقر في مستشفى شهار، حيث قضى سنوات طويلة من حياته. لم يكن دائمًا غائبًا عن الواقع، لكنه لم يعد قادرًا على العودة إليه. كان يعيش بين خوف داخلي دائم، انسحاب من الناس، ومضات وعي قصيرة، يعقبها انطفاء. تحوّل من شاعرٍ واعد إلى نزيلٍ طويل الأمد، يعيش على هامش الحياة… لا خارجها تمامًا، ولا داخلها.
في عام 1403هـ، زار القصيبي المستشفى بصفته وزيرًا للصحة. دخل على الحجي فوجده في غرفة مظلمة، مطلية بالسواد، باردة… كأنها خارج الزمن. لم يكن السواد لون الجدران فقط، بل انعكاسًا لحالة إنسان. اقترب منه، وسأله: “ماذا عن الشعر؟” فارتدت نظرة شاردة، أومضت لحظة… ثم خمدت. وجاء الجواب: “جفّ المداد”.
ثم سأله القصيبي: “ماذا تريد؟” فأجاب الحجي: “واحدة!” سيجارة. في هذه الكلمة، انهار كل شيء، لا طلب للشفاء، لا رغبة في العودة، لا حلم، فقط حاجة بسيطة يمكن الإمساك بها. وتشير القراءة الطبية إلى أن هذا الطلب ليس عابرًا، بل تعبير عن آخر ما تبقى من إحساس بالسيطرة في عالم فقد فيه الإنسان السيطرة على ذاته.
خرج القصيبي من اللقاء محمّلًا بما لا يُقال، فكتب:
عندما زرته
في المكان الذي
صبغت كل ألوانه بالسواد
كان في غرفة باردة
وأساريره
جمرة خامدة
قلت (ماذا عن الشعر؟!)
فارتدت النظرة الشاردة
أومضت لمحة
ثم عاد الرماد
قال: (جف المداد)
قال: (أشكوا لوني والسهاد
هل لديك الدواء؟)
قلت: (لا! يا حمد!)
ليت عندي الشفاء
كلنا من ضحايا العناء
كلنا نشتكي
دمع أيامنا الجاحدة
قلت (ماذا تريد؟)
قال… (واحدة!!)
قمت من عنده
حاملاً في دمي
كل حزن المكان الذي
صبغت كل ألوانه بالسواد
في هذه القصيدة، لا يظهر القصيبي كوزير، بل كإنسان: “ليت عندي الشفاء”، جملة تختصر كل شيء، وزير الصحة لا يملك العلاج، والنظام يقف عاجزًا أمام فرد، القوة تتكسر أمام الألم. ثم يقول: “كلنا من ضحايا العناء”، وهنا يحدث التحوّل الأعمق، لم يعد هناك وزير ومريض، بل إنسانان، يتقاسمان الهشاشة نفسها.
هذه القصة ليست عن شاعرٍ فقط، ولا عن وزير، بل عن لحظة نادرة: لحظة يرى فيها المسؤول حدود سلطته، ويرى فيها الشاعر حدود إنسانيته. حمد الحجي لم يكن مجرد مريض، بل تجربة إنسانية مكتملة في الألم، وغازي القصيبي لم يكن مجرد شاهد، بل من نقل هذه التجربة إلى الذاكرة.
في غرفةٍ سوداء داخل مستشفى، لم يُكتب تقرير رسمي، بل وُلدت قصيدة، ولم تُحلّ مشكلة… لكن كُشف شيء أعمق: أن الإنسان، مهما علا، يبقى عاجزًا أمام الألم، إلا من كلمة، وأحيانًا .. سيجارة!
