د. سالم بن محمد عمر العجيلي **
يُشكِّل النقل الجوي الداخلي بين مسقط وصلالة، عنصرًا أساسيًا في تعزيز الترابط بين محافظات سلطنة عُمان، خاصة مع تزايد الاعتماد عليه كوسيلة رئيسية للتنقل. ومع هذا النمو في الطلب، تتجدد الدعوات لمراجعة سياسات تسعير التذاكر، بما يحقق التوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين واستدامة شركات الطيران.
وشهدت الآونة الأخيرة، تصدّر موضوع تفاوت أسعار التذاكر على هذا الخط، بين الطيران العُماني وطيران السلام، نقاشًا واسعًا في المجتمع، خصوصًا مع اختلاف الأسعار بين المواسم؛ حيث تصل إلى نحو 64 ريالًا في فترات، وتنخفض إلى 54 ريالًا خلال موسم الخريف. ولا شك أن غياب تسعيرة ثابتة وواضحة، تراعي القدرة الشرائية المتوسطة للمواطنين، وواقعهم المعيشي واحتياجاتهم اليومية في التنقل، يخلق عبئًا ماليًا ويحد من سهولة السفر.
ورغم أن النقل الجوي الداخلي لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة يومية ترتبط بالعلاج والدراسة والعمل والزيارات الأسرية، بل الاضطرار أحيانًا للسفر إلى الخارج عبر مطار مسقط الدولي، البوابة الجوية الرئيسية للسلطنة.
ومن هذا المنطلق، ففي الوقت الذي تُطرح فيه تذكرة الذهاب والعودة، لدى الطيران العُماني بتسعيرة معتمدة تبلغ 64 ريالًا طوال العام، يرى الكثيرون أن الأسعار الحالية ما تزال يُنظر إليها، على أنها مرتفعة نسبيًا لشريحة واسعة من المستخدمين، ما يحدّ من سهولة التنقل ويزيد الأعباء المالية. بينما تبدو تسعيرة 54 ريالًا خلال موسم الخريف، خيارًا أكثر ملاءمة وواقعية وقربًا من القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، مما يفتح الباب لتساؤل منطقي: لماذا لا يُعتمد هذا السعر بشكل ثابت على مدار العام للمواطنين، بدلًا من قصره على موسم محدد؟
بل إنَّ الطموح يتجاوز ذلك، ويطالب العديد من المواطنين بضرورة اعتماد تسعيرة ثابتة وعادلة على مدار العام، تتراوح بين 40 و50 ريالًا، مع شمول جميع الرسوم، فالفارق البسيط بين 54 و50 ريالًا، رغم ضآلته الحسابية، قد يبدو غير مؤثر تجاريًا، إلا أنه بالنسبة للمواطن يحمل دلالة نفسية واقتصادية مهمة، باعتبار أن ذلك يعزز العدالة ويزيد من الإقبال على الرحلات الداخلية، مما قد يعوض وينعكس إيجابًا على شركات الطيران، عبر رفع معدلات الإشغال من خلال زيادة عدد المسافرين، بدلًا من الاعتماد على أسعار أعلى وهامش ربح مرتفع لكل تذكرة.
أما طيران السلام، بوصفه ناقلًا اقتصاديًا، فإنَّ التطلعات إليه أكبر، باعتباره الأقرب لتقديم أسعار أكثر تنافسية. ومن هنا فإنَّ اعتماد تسعيرة ثابتة لا تتجاوز 30 ريالًا ذهابًا وعودة للمواطنين طوال العام، قد يشكل خطوة نوعية في دعم النقل الداخلي، بما يسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من النقل الجوي، وجعله خيارًا متاحًا لشريحة أوسع من المجتمع، لا سيما ذوي الدخل المحدود.
كما أن فكرة التمييز في التسعيرات بين المواطنين وغيرهم، سواء من الجهات الرسمية أو السياح أو غير المُواطنين، تبدو طرحًا عمليًا يُمكن أن يحقق نوعًا من التوازن بين البُعد الاجتماعي والاقتصادي، بحيث يُسهم في دعم المواطن بمنح ميزة سعرية مدعومة، دون الإضرار الكبير بإيرادات الشركات.
وفي المُقابل، لا يمكن إغفال أن قطاع الطيران يعمل ضمن منظومة تشغيلية معقدة، تتأثر بتكاليف الوقود والصيانة والموارد البشرية وتقلبات الطلب الموسمي، وهو ما يبرر جزئيًا مرونة التسعير. لكن ذلك لا يلغي أهمية الشفافية في آلية تحديد الأسعار، وتعزيز وضوحها للمستهلكين.
وبين الاعتبارات الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى حلول وسط، مثل وضع سقف سعري ثابت للمواطنين أو تقديم باقات مدعومة، بما يحقق التوازن بين استدامة الشركات والعدالة الاجتماعية وخدمة المجتمع، ويسهم في تحسين مستوى رضا المواطنين وتسهيل التنقل الداخلي، وزيادة الإقبال على الرحلات الداخلية إضافة إلى دعم السياحة الداخلية، خصوصًا في محافظة ظفار.
في الختام، يبقى الأمل أن تكون تسعيرة خط (مسقط- صلالة) أكثر من مجرد رقم، فهي قضية تمس جودة الحياة اليومية للمواطن، وتستدعي مراجعة شاملة لسياسات التسعير وتطلعات المجتمع بما يعزز العدالة، ويرفع كفاءة النقل الجوي في السلطنة.
وتظل الدعوة إلى اعتماد سياسة تسعير، عادلة ومنظمة وشفافة وثابتة للتذاكر الداخلية، وتبني نموذج تسعير مرن، يراعي خصوصية المواطن في النقل الجوي الداخلي، خطوة مهمة نحو تعزيز جودة الحياة للمواطن العُماني، ودعم توجهات تطوير قطاع النقل والسياحة، مع الحفاظ على استدامة شركات الطيران الوطنية، وتعزيز الثقة ودعم حركة التنقل.
فالتسعير العادل ليس مجرد خيار اقتصادي، بل انعكاس مباشر لمدى اقتراب الخدمة من احتياجات المجتمع وطموحاته، بما يعزز في نهاية المطاف الروابط بين مختلف محافظات سلطنة عُمان، ويدعم حركتها الاقتصادية والسياحية.
"فنحن نعلم أن رضا الناس غاية لا تُدرك، لكن الطموح نحو الأفضل هو الهدف الأسمى".
** خبير الجودة والتميز المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي والقانون والتحكيم الدولي
