أتستخفوُّن بها ويُجِلُّها غيركم؟!

 

 

 

د. صالح الفهدي

قدَّم الدكتور ريتشارد مورتيل الذي يُعرِّف نفسه في أحد حساباته بوسائل التواصل الاجتماعي بأنَّه: "مواطن سعودي فخور بوطنه؛ يحملُ دكتوراه في التاريخ الإسلامي ومهتم بتاريخ الجزيرة العربية وآثارها وتراثها"، أقولُ قدَّم درسًا لأبناءِ العربيةِ الذي فضَّلوا الأجنبية عنها وبالأخصِّ الإنجليزية، فأصبحت قوتَ ألسنتهم، ومرعى أفكارهم، وكأنَّ العربية شحيحة المرعى، ضحلة الألفاظ!

يقول مورتيل في حديث له: "أولًا أنا ريتشارد كشخص أؤمن إيمانًا تامًا بأنَّ اللغة العربية هي أفضل اللغات في العالم ولا أتقبَّلُ النقاشَ في هذه المسألة" ثم يُردفُ كلامًا لعلَّه ينبِّهُ به بصائر المسلمين قائلًا: "نحن مسلمون، الله سبحانه وتعالى قال في أكثر من آية كريمة قُرآنًا عربيًا، إذن الارتباط الوثيق والشديد والجذري بين القرآن الكريم واللغة" ثم ينتقد: "سمعتُ كلامًا من كثيرين بأن اللغة الإنجليزية أوضح من العربية وللأسف الشديد بعضهم دكاترة عرب، بأن اللغة العربية غير قادرة على التعبير عن أفكاري" ويتهكَّم: "ويش عندك من أفكار؟ إذا كانت هذه اللغة تكفي ربِّي وربك ورب العالمين للتعبير عن رسالته الخالدة لكل زمان ولكل مكان ولا تكفيك أنت! المشكلة فيك وليس في اللغة".

لقد أوضح د. ريتشارد مورتيل المشكلة الأصيلة حين قال "المشكلة فيك وليس في اللغة"، نعم فالذين يلوون ألسنتهم بغير لغتهم الأم، ويفضِّلون لغة أجنبيةً على لغتهم السامية، والذين لا يكادون ينطقون عبارةً إلا وتسمعهم وهم يخلطونها بكلمات أجنبية أصبحت دارجةً على ألسنتهم وكأنهم قد سلَّموا بأنها من قاموسهم اللغوي الشائع! هؤلاءِ يعانون من مشكلةٍ نفسيةٍ، في حين يأتي غير العربي ليفتخر بالعربية وكأنه يوجِّهُ إليهم صفعةً ليستفيق غبائهم الواهم الذي زيَّن لهم تلك الكلمات الدخيلة فجعلت كلامهم كالثوبِ المرقَّع!.

ومؤخرًا برزَ شابٌ فارسي اسمه الدكتور حسن أحمديان، ليلقِّن مناظريه دروسًا في لغتهم العربية، قبل أن يُلقِّنهم دروسًا في بيانِ الحُجج، وإثبات البراهين، فيقول عنه معلِّم من معلمي اللغة العربية: لقد نططتُ من الكرسي وأنا أسمعهُ وهو يقول "الدول المشاطئةِ لنا" أي تلك التي نتقاسم وإيَّاها الشاطيء إعجابًا بتلك المفردة الرائعة. أفلا يجعلنا هذا الشاب الإِيراني الفصيح عربيًا أن نتوقفَ عند ظاهرة الاستخفاف بالعربية في حديثنا، ولافتاتنا التجارية، وأسمائنا، وغير ذلك من مناشط الحياة؟!

لقد تنازلنا عن لغتنا وابتكرنا لغةً مكسرةً بيننا وبين الوافدين من غير العرب؛ لغةً نضحكُ منها أحيانًا ثم نعود لنتحدث بها، وهذا وإن برَّره البعض بالتساهلُ الناتج من الطيبة للتقرب من الآخرين وتسهيل مشقة تعلم لغتنا إلّا أن الحقيقة هي أن "المشكلة في أنفسنا" وسبب ذلك استخفافنا وتهاوننا بلغتنا العربية، بل ولهجاتنا الدارجة المستمدةِ من العربية.

أفيأتي الأجنبي ليلقننا دروسًا في العربية أمَّنا التي وسعت كتاب الله لفظًا وغايةً كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم؟! وكم للأجانب من عباراتٍ في تقديرِ مقامِ اللغةِ العربيةِ لا تُحصى ولا تُعد، لكنَّ البعض منَّا يستنقصُ لغته، وفي الحقيقة أنَّه يستنقصُ من قدرِ نفسه ليقول للآخر: إنني أشعرُ بالنقص لغويًّا لأنني ولدتُ دون لغة، ولأن لي أفكارًا تعجزُ عن توضيحها العربية، ولأنني لستُ كسائرِ شعوب الأرض في حظِّها من لغتها، فأنَّا قليل الحظِّ من لغتي!!، ويقول أيضا: أنا العصريُّ المتطوِّر لأنني أتحدث الإنجليزية لغة العصر فقد نما إلى علمي بأنَّ من يتحدث الإنجليزية هو إنسانٌ عصريٌّ، فائق الاحترام، عظيم المقام، بليغُ الحجةِ، فصيح اللسان!! ما شاء الله، لقد جمعَ ما شاءَ من أعذارٍ واهيةٍ واهمةٍ كما جمعها المدخِّنُ الذي يكذبُ على نفسهِ في ضرر الدخان!

هؤلاءِ بحاجةِ إلى أن يستفيقوا ويدركوا تمام الإدراك بأنَّ من يقدِّم لغةً غير لغته في المقامِ والقدر إنما هو متخلِّفٌ الفكر، مشوَّهُ القناعات، لا يمكن أن ينظر إليه الآخر إلا بأنه واهمٌ، يتلفَّعُ برداءٍ مهلهلٍ، مرقَّع!

الشاهدُ أنَّه لا عزَّةَ للإنسان العربي إلا بعزة لغته، ولن يدرك ذلك إلا بعد أن يقدِّر نفسه، وما أكرمه الله به حين أنزل الرسالة الخاتمة على البشرية بالعربية، وبلسان عربي مبين وعلى يد رسولٍ كريمٍ هو أفصحُ من نطق العربية وصرَّح بحبِّه لها قائلا: أحبُّ العربية لثلاث: لأنني عربي، والقرآن عربي، ولغة أهل الجنة العربية".

وأنَّ من يرطنُ بغير العربية وهو عربي دون حاجةٍ وضرورة إنما يعاني من نقصٍ في نفسه، وفي تقديرِ ذاته، كما أنه عاقٌّ لوالديه العربيَّان، ولتاريخه العربي، ولقيمه الأصيلة التي تربَّى عليها.

فليقف عند هذا الكلام كل من يرطنُ بغير العربية دون حاجةٍ ولا ضرورة، وكل من رفع لافتةً أو شعارًا وكل من قدَّم الأجنبية على العربية دون عذر سليم.

الأكثر قراءة

z